مقالات

الهجرة النبوية بين التخطيط البشري والتأييد الإلهي 

الهجرة النبوية بين التخطيط البشري والتأييد الإلهي

بقلم ✍️ القاضي أسامة محمد عبد الهادي، رئيس محكمة الاستئناف

ودّعتْ أمتنا الإسلامية عاما هجريا مضى بخيره وشره ، مضى بآلامه وجراحه ، بأفراحه وأتراحه ، واستقبلت عاما هجريا جديدا ، نسأل الله – تعالى – أن يجعل هذا العام خيرًا من سلفه ، وأن يجعل خلفه خيرًا منه . كما ندعوه – جل وعلا – أن يجعله عام نصر وعزة للإسلام والمسلمين ، وصلاحًا لأحوالهم في كل مكانٍ وحين .. يارب العالمين .

ولقد كان من عادة سيدِنا رسول الله – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلم – أن يذكّر أتباعه بمرور الأيام وبكرّ الأعوام وكان – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – كثيرًا ما يخاطب أتباعه بقوله : ” أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمِكم وإن لكم نهايةً فانتهوا إلى نهايتِكم ، إن المؤمن بين مخافتَين : أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه ، وأجل قد بقيَ لا يدري ما الله قاضٍ فيه ، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ، ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة قبل الهرم ، ومن الحياة قبل الموت ” .

والأمة العاقلة هي التي تأخذ من ماضيها لحاضرِها ، وتستفيد من الدروس والعبر ، وإن المتدبر لمعاني الهجرة الشريفة يستنبط منها دروسا عظيمة ، ويستخلص منها فوائد جمّة ، ويلحظ فيها حِكمًا باهرة يستفيد منها الأفراد والأمة بعامة في شتى مجالات الحياة .

استوقفتني هذه الخطبة العظيمة المُعنونة بـ : ” الهجرة النبوية بين التخطيط البشري والتأييد الإلهي ” ؛ فأردت أن يفيدَ منها قرائي كما استفدت أنا منها ، وقد جاءت عناصر تلك الخطبة على النحو التالي :

١. الهجرة والأخذ بالأسباب .

٢. التخطيط ضرورةٌ من ضرورات الحياةِ.

٣. تأييد الله تعالى لنبيه – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلم – .

٤. معيّة الله تعالى لعباده المؤمنين.

٥. الهجرة والعبور وبناء الدولة .

وقد ساقت هذه الخطبة هذه الأدلة من القرآن الكريم على” الهجرة النبوية بين التخطيط البشري والتأييد الإلهي ” :

١. قال تعالى :{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }[الأنفال : 30].

٢. وقال تعالى :{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنهُ حَيَاةً طَيبَةً وَلَنَجْزِيَنهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[النحل : 97].

٣. وقال تعالى :{وَأَعِدوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُو اللهِ وَعَدُوكُمْ} [ الأنفال : 60 ].

٤. وقال تعالى :{ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ }[ يس : 9 ].

٥. وقال تعالى : {إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِى اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِن اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُوا السفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِى الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة :40 ].

٦. وقال تعالى :{إِنا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}[غافر:51].

٧. وقال تعالى :{إِن اللهَ مَعَ الذِينَ اتقَوْا وَالذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل : 128].

وساقت هذه الأدلة من السنة النبوية الشريفة على ” الهجرة النبوية بين التخطيط البشري والتأييد الإلهي ” :

١. عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطابِ (رضي الله عنه) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : ( لَوْ أَنكُمْ تَتَوَكلُونَ عَلَى اللهِ حَق تَوَكلِهِ ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا)…. تغدو : تذهب أول النهار ، وتروح : ترجع آخر النهار. (رواه الترمذي).

٢. وعَنْ عَائِشَةَ (رَضِي اللهُ عَنْهَا) قَالَتِ اسْتَأْذَنَ النبِي – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ – أَبُو بَكْرٍ فِى الْخُرُوجِ حِينَ اشْتَد عَلَيْهِ الأَذَى فَقَالَ لَهُ (أَقِمْ) فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَتَطْمَعُ أَنْ يُؤْذَنَ لَكَ ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ – يَقُولُ إِني لأَرْجُو ذَلِكَ ، قَالَتْ : فَانْتَظَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ – ذَاتَ يَوْمٍ ظُهْرًا ، فَنَادَاهُ فَقَالَ : (أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ) ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنمَا هُمَا ابْنَتَاي …) (رواه البخاري).

٣. وعن عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) قال : تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ، فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ، يُرِيدُونَ النبِى – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ – ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ اقْتُلُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَخْرِجُوهُ، فَأَطْلَعَ اللهُ عَز وَجَل نَبِيهُ عَلَى ذَلِكَ، فَبَاتَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ النبِي – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ – تِلْكَ الليْلَةَ، وَخَرَجَ النبِي – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ – حَتى لَحِقَ بِالْغَارِ، وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيا، يَحْسَبُونَهُ النبِى – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ – ، فَلَما أَصْبَحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ، فَلَما رَأَوْا عَلِيا، رَد اللهُ مَكْرَهُمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ صَاحِبُكَ هَذَا ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي ، فَاقْتَصوا أَثَرَهُ، فَلَما بَلَغُوا الْجَبَلَ خُلطَ عَلَيْهِمْ، فَصَعِدُوا فِى الْجَبَلِ، فَمَروا بِالْغَارِ، فَرَأَوْا عَلَى بَابِهِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ، فَقَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا، لَمْ يَكُنْ نَسْجُ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ) (رواه أحمد).

٤. وعن أبي بكر (رضي الله عنه) قال : (… فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا زَالَتِ الشمْسُ وَاتبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ – قَالَ – وَنَحْنُ فى جَلَدٍ مِنَ الأَرْضِ (صلبة) فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أُتِينَا ، فَقَالَ ( لاَ تَحْزَنْ إِن اللهَ مَعَنَا ). فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ – فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا ، أُرَى ، فَقَالَ : إِنى قَدْ عَلِمْتُ أَنكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيّ فَادْعُوَا لي فَاللهُ لَكُمَا أَنْ أَرُد عَنْكُمَا الطلَبَ. فَدَعَا اللهَ فَنَجَى فَرَجَعَ لاَ يَلْقَى أَحَدًا إِلا قَالَ قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هَا هُنَا فَلاَ يَلْقَى أَحَدًا إِلا رَدهُ – قَالَ – وَوَفَى لَنَا) (صحيح مسلم).

٥. وعَنْ أَبِي بَكْرٍ (رَضِي اللهُ عَنْهُ ) قَالَ : قُلْتُ لِلنبِي – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ – وَأَنَا فِى الْغَارِ : لَوْ أَن أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا ، فَقَالَ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (مَا ظَنكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا).( مُتفَقٌ عَلَيهِ).

 ( يُراجع في ذلك كتاب الخطابة الإلكتروني (مائة خُطبة وخُطبة) من الخُطب العصرية لوزارة الأوقاف المصرية ، إعداد الإدارة العامة لبحوثِ الدعوة ، الخطبة المُعنونة بـ : ” الهجرة النبوية بين التخطيط البشري والتأييد الإلهي” )

يستكمل إن شاء الله تعالى .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى