مقالات

العنوان الرئيسي ل كيف أعاد تشارلز ميلمان قراءة أصل التحليل النفسي

قراءة معاصرة للذنب والمتعة والزمن في الخطاب الهستيري

تقرير: دينا جمال

 

الهستيريا كحقيقة هيكلية وأصل التحليل النفسي

 

 

الذنب الوجودي (Guilt of Existing) – شهادة ميلاد الذات المغتربة

1. الكوجيتو الديكارتي وألم الانفصال

يبدأ ميلمان تحليله من نقد جذري لنشأة الذاتية الحديثة. يرى أن “الأنا الديكارتي” (Cartesian I) الذي تأسس على الشك المنهجي، أوجد انفصالاً جذرياً بين الذات والعالم. هذا الانفصال يولد ما يسميه ميلمان “ألم الوجود” (The pain of existing). الهستيرية هي التجسيد الأقصى لهذا الألم؛ فهي تشعر بالذنب “لمجرد كونها هنا” كذات منفصلة، وكأن وجودها في حد ذاته هو تجاوز أو خطأ في حق “الكل” أو “الآخر”.

 

إن الذنب الوجودي ينبع من إدراك الذات أنها ليست “موضوعاً” يملأ فراغ الآخر، بل هي “ذات” (Subject) موسومة بـ “النقص البنيوي”(Structural Lack). الذاتية في التحليل النفسي اللاكاني تُبنى على فقدان الموضوع (objet a)، والهستيرية تعيش هذا الفقدان كتقصير شخصي. هي لا تستطيع أن تكون “الموضوع المثالي” الذي يشبع الآخر، وهذا العجز البنيوي يُترجم داخلياً إلى ذنب لا يزول.

 

2. الذاتية كحساب للنقص

يوضح ميلمان أن الذات الهستيرية تأخذ هذا النقص في الاعتبار وتعرف نفسها بأنها “مذنبة دائماً”. الذنب هنا هو النتيجة الحتمية لكون الذات “موسومة” بالنقص. الهستيرية تحاول “تنظيم هذا الحساب” (Regulate this account) من خلال أعراضها. إنها تشعر بالتقصير تجاه ما يتوقعه الآخر، ليس لأنها قصرت فعلياً في واجباتها، بل لأن “الموضوع” الذي يمكن أن يشبع الآخر مفقود بنيوياً. هذا الشعور بالذنب هو الطريقة التي تدرك بها الذات الهستيرية اغترابها؛ فهي موجودة دائماً في “مشهد آخر” (Another scene)، وهذا الاغتراب يترجم داخلياً كذنب وجودي لا يزول بالاعتذار أو الإصلاح السطحي. الذنب الوجودي هو الثمن الذي تدفعه الذات لكي “تكون” في عالم لا يعترف بوجودها إلا من خلال نقصها.

الجسد كدفتر للذنب – عندما يتحول الكبت إلى كتابة جسدية

1. العرَض الهستيري كـ “اعتذار”

ينتقل ميلمان من الوجود المجرد إلى المادة الحية: الجسد. يطرح فكرة أن الجسد الهستيري هو “سطح للكتابة” (Surface for writing). عندما يعجز اللسان عن النطق بالذنب (تجاه الأب أو الرغبة المكبوتة)، يتحول هذا الذنب إلى “كتابة جسدية”. العرَض الجسدي – كالشلل أو فقدان الحس (Astasia-abasia) – هو في جوهره “اعتذار” يقدمه الجسد.

 

يحلل ميلمان الأعراض الهستيرية كـ “هيروغليفية” (Hieroglyphics) يجب فك شفرتها. العرَض ليس مجرد مرض، بل هو “دال” (Signifier) مكبوت. الذنب هنا يتحول إلى “توقف عن الفعل” نابع من ذنب عميق؛ وكأن الذات تقول: “بما أنني مذنبة، فلا يحق لي التحرك أو الوجود بفاعلية”.

 

2. الوعي الثاني والنيو-واقع

يشرح ميلمان أن الهستيرية تخلق “وعياً ثانياً” (Second conscience) يسكن في العرَض. هذا الوعي هو المكان الذي يُحفظ فيه الذنب “طازجاً” ومحمياً من النسيان. العرَض هو “النيو-واقع” (Neo-real) الذي تخلقه الهستيرية لكي تظل مذنبة ومحمية في آن واحد. هذا الوعي الثاني هو الذي يفسر ازدواجية الشخصية الهستيرية (Spaltung)؛ شخصية اجتماعية عادية، وشخصية أخرى تسكن في العرَض، وهي التي تحمل عبء الذنب. الجسد هنا لا يمرض، بل “يتكلم” بلغة الذنب المكبوت.

 

إيثار الخصاء (Guilt of Castration) – الذنب كدرع لحماية “الآخر”

 

1. التضحية البنيوية لحماية الأب

نصل الآن إلى النواة العيادية: ذنب الخصاء. في الرؤية الميلمانية، الهستيرية ليست ضحية للخصاء فحسب، بل هي “حامية” للآخر منه. الخصاء هو الحقيقة المرة التي تقول إن “الآخر” (الأب، السلطة، السيد) ليس كلي القدرة، وأنه ناقص وعاجز مثلنا تماماً.

 

هنا يبرز “الإيثار الهستيري” في أبهى صوره المأساوية. الهستيرية تتبنى “وزن الفشل” (The weight of failure) وتلبس رداء الذنب لكي تمنح الآخر وهم الكمال. إنها تقول ضمنياً: “أنا المذنبة، أنا التي فشلت في إرضائك، أنا الناقصة”، وبذلك تحمي صورة الأب من الانهيار. إنها تفضل أن تعيش في جحيم الاتهام الذاتي على أن تواجه الحقيقة المرعبة بأن الأب عاجز. الذنب هنا هو “تضحية بنيوية”؛ هو الثمن الذي تدفعه الهستيرية لكي يظل هناك “سيد” في العالم.

 

2. الهستيريا الذكورية وذنب التماهي المستحيل

يضيف ميلمان طبقة هامة تتعلق بالرجل الهستيري. الذنب هنا يتخذ شكلاً مختلفاً؛ إنه ذنب “التماهي مع الأب”. الرجل الهستيري يشعر بالذنب لأنه يدرك أنه لا يستطيع أن يكون “الرجل الكامل” الذي يفرضه النموذج الأبوي المتخيل.

 

هذا الذنب يترجم غالباً إلى “تبعية مفرطة للسلطة” أو “قلق من العجز”. الرجل الهستيري يحمي صورة “الأب القوي” من خلال الشعور بالذنب تجاه تقصيره الشخصي. إنه يضع نفسه في موضع “الخادم” للسيد لكي يثبت أن “السيادة” موجودة، حتى لو لم يكن هو يمتلكها. الذنب هنا هو الوسيلة التي يحافظ بها الرجل الهستيري على “المرجع الفالوسي” في عالم يفتقر إليه. ميلمان يوضح أن الهستيريا هي بنية لا تعترف بالفروق التشريحية، وذنب الرجل الهستيري هو ذنب “الاحتجاج على النقص” في صورة الأب.

 

الذنب تجاه “المتعة” (Jouissance) – فائض الوجود والاحتجاج على القانون

 

1. المتعة الفائضة كـ “خطيئة”

تصل الإضافة الأعمق لميلمان إلى مفهوم “المتعة” (Jouissance). تشعر الهستيرية بالذنب ليس فقط بسبب النقص، بل بسبب الفائض. إنها تشعر بـ “متعة” (Jouissance) تسكن جسدها ولا تجد لها مكاناً في اللغة أو في الرابط الاجتماعي. هذه المتعة الفائضة، التي تتجاوز مبدأ اللذة، تُعاش كـ “خطيئة” أو “شيء لا يجب أن يكون هناك”.

 

تتهم الهستيرية نفسها بأنها تمتلك “أكثر مما ينبغي”، وأن هذا الفائض هو ما يفسد علاقتها بالآخر. الذنب هنا هو محاولة “لجم” هذه المتعة الجامحة وتحويلها إلى عَرَض مقبول اجتماعياً. إنها تضحي بمتعتها الخاصة لكي تضمن أن يظل الآخر “سيداً” للقانون. هذا “الذنب تجاه المتعة” هو ما يفسر الحساسية المفرطة للهستيرية تجاه أي “ظلم” أو “زيادة” في العالم؛ فهي ترى في فائض الآخر صدى لفائضها المكبوت والمذنب.

 

2. الهستيريا في عصر “تراجع الأب”

في الفصول الأخيرة، يطرح ميلمان تساؤلاً جوهرياً: كيف يتشكل الذنب اليوم في ظل تراجع سلطة الأب التقليدية؟ في الماضي، كان الذنب موجهاً نحو “الأب الذي يمنع”. اليوم، في عصر الاستهلاك، أصبح الذنب موجهاً نحو “الأنا الأعلى الذي يأمر بالاستمتاع”.

 

تشعر الهستيرية المعاصرة بالذنب لأنها “لا تستمتع بما يكفي”، أو لأنها لا تستطيع مواكبة المطالب اللامتناهية للثقافة الحديثة بالكمال والسعادة. الذنب لم يعد تجاه “القانون”، بل تجاه “العجز عن الإشباع”. هذا التحول يجعل الذنب الهستيري أكثر حدة واغتراباً؛ فهي لم تعد تحتج ضد “سيد ظالم”، بل ضد “فراغ” لا يمكن إرضاؤه.

 

الذنب والزمن – الانتظار كاستراتيجية دفاعية

1. الذنب كـ “تأجيل للزمن”

في طبقة أعمق من التحليل، يربط ميلمان بين الذنب والزمن. الهستيرية تستخدم الذنب لكي تظل في حالة “انتظار” (Waiting) دائم. ما دام هناك ذنب تجاه الماضي، فإن المستقبل يظل “مؤجلاً”. الذنب يعمل كـ “فرامل” زمنية تمنع الذات من التقدم نحو رغبتها الخاصة.

 

إن الانشغال بالندم والذنب هو الطريقة التي تتجنب بها الهستيرية “لحظة الفعل”. هي تفضل أن تظل “مذنبة في الماضي” على أن تكون “مسؤولة في الحاضر”. هذا الانتظار هو ما يمنح الهستيريا طابعها “المزمن”؛ فهي تعيش في زمن دائري حيث يعيد الذنب إنتاج نفسه باستمرار، مانعاً أي “صيرورة” (Becoming) حقيقية. التحليل النفسي يهدف هنا إلى كسر هذه الدائرة الزمنية وتحويل “الانتظار المذنب” إلى “فعل راغب”.

 

2. المقاومة للشفاء كتمسك بالذنب

يوضح ميلمان أن المقاومة للشفاء في الهستيريا هي في جوهرها “تمسك بالذنب” كضمانة للوجود. الهستيرية تخشى أن تصبح “عادية” (Ordinary unhappiness)، لأن العادية تعني فقدان “التميز” الذي يمنحه لها ذنبها وعرضها الفريد. الذنب هو الثمن الذي تدفعه الذات لكي تظل “ذاتاً استثنائية” في مواجهة الآخر.

الذنب كضريبة للحقيقة – المعرفة كخطيئة

1. الذنب و”الرغبة في المعرفة”

في ذروة التحليل، يطرح ميلمان فكرة “الذنب كضريبة للحقيقة”. تشعر الهستيرية بالذنب لأنها “تعرف” ما لا يجب معرفته. إنها تعرف أن رغبة الآخر ليست موجهة إليها بالكامل، وتعرف أن السيد عاجز، وتعرف أن اللغة تخون الحقيقة. هذه المعرفة (Knowledge) هي التي تولد الذنب؛ وكأن امتلاك الحقيقة هو “سرقة” من الآخر.

 

الهستيرية تعيش في صراع دائم بين “الرغبة في المعرفة” وبين “الذنب الناتج عن هذه المعرفة”. إنها تتهم نفسها بأنها “رأت الكثير”، وهذا هو السبب في أنها تلجأ إلى الكبت أو إلى الأعراض الجسدية لكي “تعمي” نفسها عن الحقيقة التي لا تُحتمل. الذنب هنا هو الثمن الذي تدفعه الذات لكي تظل مخلصة للحقيقة في عالم يفضل الأوهام.

 

2. الهستيرية كـ “محلل نفسي” بالفطرة

يذهب ميلمان إلى أن الهستيرية هي “محلل نفسي” بالفطرة، لأنها تسأل السيد عن حقيقته وعجزه. هذا التساؤل هو ما يضعها في موضع الذنب؛ فهي تكتشف “الشرخ” في بنية الآخر، وهذا الاكتشاف يولد ذنباً مضاعفاً. الذنب هو الوسيلة التي تحافظ بها الهستيرية على “الشرخ” مفتوحاً، لكي تستمر في البحث عن “الحقيقة الكاملة” التي لا يمكن الوصول إليها.

من الذنب الممرض إلى المسؤولية الوجودية

1. التحول من الذنب إلى المسؤولية

ينتهي تشارلز ميلمان في “إعادة النظر في دراسات الهستيريا” إلى أن نهاية التحليل النفسي لا تعني “محو الذنب” كما لو كان خطأً تقنياً، بل تعني تحويله من “ذنب ممرض” يحمي الآخر، إلى “مسؤولية وجودية”تجاه الحقيقة الخاصة بالذات.

 

الشفاء عند ميلمان هو أن تقبل الذات الهستيرية “بؤسها العادي” (Ordinary unhappiness) بدلاً من “بؤسها الهستيري”. هذا يعني التخلي عن الذنب الذي يغذي الفانتازيا، وقبول النقص كجزء لا يتجزأ من الوجود.

 

2. الذنب كفعل بطولة وجودي

في النهاية، يخلص ميلمان إلى أن الهستيريا هي “الاحتجاج الدائم ضد عجز اللغة وعجز الآخر”. الشعور بالذنب هو الثمن الباهظ الذي تدفعه الذات لتظل “ذاتاً راغبة” في عالم محكوم بالنقص والخصاء. إن الذنب الهستيري، في أعمق مستوياته، هو الصرخة التي تقول: “أنا مذنبة، إذن أنا أرغب، إذن أنا موجودة”. والتحليل الناجح هو الذي يسمح لهذه الصرخة بأن تتحول من “ندم على الماضي” إلى “صيرورة نحو المستقبل”، ومن “اتهام للجسد” إلى “مسؤولية عن الحقيقة”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى