«كاراكاس» في قلب العاصفة الدولية
الأبعاد الجيوسياسية للتحرك الأمريكي في فنزويلا: هل بدأت واشنطن تقويض النفوذ الروسي في أمريكا اللاتينية؟

متابعة: أحمد فوزى
عملية أمريكية تعيد خلط الأوراق وتبعث برسائل حاسمة إلى موسكو
في خطوة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز حدود فنزويلا فجّرت العملية الأمريكية الأخيرة المرتبطة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو موجة واسعة من الجدل والتحليلات باعتبارها واحدة من أخطر الرسائل غير المباشرة التي وجهتها واشنطن إلى روسيا خلال السنوات الأخيرة.
العملية التي وُصفت بأنها «محسوبة بدقة» لم تأتِ في إطار أمني تقليدي أو تحرك منفرد، بل جاءت كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة رسم خرائط النفوذ الدولي وتوجيه إنذار صريح للكرملين بأن تمدده في أمريكا اللاتينية لم يعد بمنأى عن الرد الأمريكي.
أبعد من مادورو… الهدف موسكو
يرى مراقبون أن التركيز الإعلامي على الرئيس الفنزويلي يخفي خلفه هدفًا أكبر يتمثل في تقويض الحضور الروسي المتنامي في القارة اللاتينية خاصة بعد أن تحولت فنزويلا إلى أحد أهم حلفاء موسكو خارج الفضاء السوفيتي السابق سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي.
وتسعى الولايات المتحدة من خلال هذه التحركات إلى التأكيد على أن أي محاولات روسية لكسر الطوق الغربي والبحث عن مناطق نفوذ بديلة ستواجه بإجراءات مباشرة حتى وإن اتخذت طابعًا رمزيًا في ظاهرها.
رسائل توقيت لا تقل خطورة عن الحدث
اختيار توقيت العملية لم يكن عشوائيًا إذ تزامن مع تصاعد حدة التوتر بين واشنطن وموسكو على أكثر من جبهة في أوكرانيا وأوروبا الشرقية والشرق الأوسط ما يعكس رغبة أمريكية واضحة في توسيع نطاق الضغط السياسي والنفسي على القيادة الروسية.
ويؤكد محللون أن الرسالة الأهم التي حملتها العملية هي أن الولايات المتحدة قادرة على الوصول إلى مناطق تعتبرها روسيا «محمية سياسية»وهو ما يضع الكرملين أمام معادلة جديدة تتعلق بحسابات الرد والتوازن.
موسكو بين التصعيد والاحتواء
في المقابل تعاملت موسكو مع التطورات بحذر شديد مدركة أن أي رد مباشر قد يفتح جبهة جديدة هي في غنى عنها في المرحلة الحالية لكنها في الوقت ذاته ترى أن الصمت الطويل قد يُفسَّر كإقرار بتراجع النفوذ الروسي في نصف الكرة الغربي.
ويرجح خبراء أن تلجأ روسيا إلى أدوات غير تقليدية للرد تشمل التحركات الدبلوماسية وتعزيز التعاون مع حلفائها، وربما توسيع حضورها الاقتصادي والعسكري بشكل أكثر هدوءًا دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.
صراع نفوذ بوجه جديد
تعكس هذه التطورات حقيقة أن الصراع الدولي لم يعد محصورًا في ساحات الحروب التقليدية بل بات يعتمد على الضغوط الرمزية والرسائل السياسية، واختبار مناطق النفوذ في إطار حرب باردة بنسخة أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا.
وتبدو فنزويلا اليوم مرة أخرى ساحة اختبار لإرادات القوى الكبرى حيث تتحول الأزمات الداخلية إلى أوراق ضغط دولية تُستخدم لإعادة ترتيب المشهد العالمي.
إلى أين يتجه المشهد؟
في ظل هذا التصعيد غير المعلن يبقى السؤال الأهم: هل تكتفي واشنطن بهذه الرسائل الرمزيةأم أن المرحلة المقبلة ستشهد تحركات أكثر حدة في مواجهة النفوذ الروسي؟ وهل تنجح موسكو في الحفاظ على مواقعها الاستراتيجية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة؟
أسئلة مفتوحة تعكس حجم التحولات التي يشهدها النظام الدولي، في وقت باتت فيه كل خطوة، مهما بدت محدودة، تحمل تأثيرًا يتجاوز حدود الدول إلى مستقبل توازن القوى العالمي بأكمله.


