مقالات

من سرق ضمائرنا؟ الغش حين يتحول إلى ثقافة مجتمع

النجاح المزوّر.. بداية الانهيار

كتب : محمد ذكى

إن كان عمر لا يرانا.. فربُّ عمر يرانا

عبارة خرجت من قلبٍ نقيٍّ في زمن عمر بن الخطاب، حين طلبت أمٌّ من ابنتها أن تخلط الماء باللبن لتزيد الربح، فقالت الأم: إن عمر لا يرانا، فأجابت الفتاة بكلماتٍ تهزُّ الضمير: إن كان عمر لا يرانا… فربُّ عمر يرانا.

أيُّ قلبٍ كان هذا؟

وأيُّ إيمانٍ يسكن صدر فتاةٍ بسيطة، لكنه أعظم من كل مغريات الدنيا

الغش.. بداية الانهيار

بكل صراحة، بكل صرامة… نحن بحاجةٍ إلى فلترة قلوبنا قبل فلترة أفعالنا.

نحتاج أن ننظفها من الغش، من الخداع، من التواكل، من التبرير المستمر لكل خطأ.

الغش ليس ورقة امتحان فقط.

الغش مفهومٌ واسع، هو كل نيةٍ لم تصدق، وكل كلمةٍ لم تخرج من ضمير، وكل عملٍ لم يُؤدَّ بإخلاص.

قال رسول الله ﷺ:

“من غشَّنا فليس منا”، حديثٌ قصير لكنه قاطع.

مجتمعٌ يُكافئ الكسول ويُحبط المجتهد

طالبٌ لم يجتهد يومًا، لم يسهر ليلة، لم يتحمل مسؤولية، لكنه استغل احتياج غيره، فغش، ونجح، وتقدم، وفي المقابل، طالبٌ اجتهد سنوات، سهر الليالي ليعوض فقره، ليُفرح أهله، ليحقق حلمه، ثم يقف متحسرًا لأن “الغشاش سبق”.

وهنا تبدأ الكارثة…

فالكسول الذي اعتاد الغش،

قد يصبح طبيبًا يهمل صحة الناس،

أو مهندسًا يهدم بدل أن يبني،

أو محاسبًا يحتال،

أو معلمًا لا يؤتمن على رسالة،

أو تاجرًا يُثقل كاهل البسطاء بأسعارٍ من “كوكب المريخ”.

الأمر لا يتوقف عند ورقة امتحان…

بل يمتد ليصنع مجتمعًا هشًّا، بلا ضمير.

 ضعف الإيمان… أصل الداء

بكل وضوح، ضعف إيماننا سبب فسادنا، نبرر لأنفسنا، نكره الاجتهاد، نحب أن نحصل على الحقوق بلا ثمن، وبعنا الشيء الوحيد الذي لا يُعوَّض: بعنا ضمائرنا.

إن علّمتَ ابنك أن يحصل على حقه “بالفهلوة”، فلا تندهش إن وجدته يومًا سارقًا أو محتالًا.

 الغش خديعة للنفس قبل غيرها

قال تعالى:

“يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ.”

الغش لا يضر المجتمع فقط…

بل يقتل صاحبه من الداخل.

وأيها الطالب الذي يتعاطف مع زميله الكسول…

تذكّر:

هذا ليس عطفًا، بل إعانة على الإثم.

قال تعالى:

“وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.”

إلى كل تاجر… أصلح ميزان ضميرك

أيها التاجر…

أين الرحمة بربّ الأسرة الذي يعاني؟

أين الخوف من الله قبل حساب الأرباح؟

قال تعالى:

“وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ”، أصلح ميزان ضميرك أولًا…، قبل ميزان سلعتك

إلى كل مسؤول… الغش هدمٌ للمستقبل

أيها المسؤول عن التعليم…

أين الضوابط الرادعة؟

أين حماية المجتهد؟

حين يرى الطالب أن “الغش وصل”، يصعب علينا إقناعه أن الصدق طريق النجاح، وهنا نخسر جيلًا كاملًا

 رسالة إلى كل إنسان

أحيِ ضميرك.

نظف قلبك.

اصدق مع الله قبل أن تصدق مع الناس.

قال تعالى:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.”

وقال تعالى:

“وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ.”

الخاتمة:

تعالوا…

لا ننظف وجوهنا فقط، بل ننظف قلوبنا بماء الصدق، فالذي يراك في الخفاء، أعلم بك من نفسك، وإن كان البشر لا يرون، فالله يرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى