مقالات

الوعي قبل البناء.. كيف تُصنع نهضة المجتمعات

حين نبني الجدران.. ونُهدم العقول

كتب: محمد ذكى 

أنتم تبنون جدرانًا… لكنكم تهدمون عقولًا

ألم نتدبر القرآن يومًا؟

ألم نلاحظ كيف دعا الله الإنسان أن يستخدم عقله وحواسه ليفهم ويدرك؟

كم من آية ختمها الله بقوله:

لعلكم تعقلون”

“لقوم يعقلون”

“أفلا تبصرون”

“لقوم يتفكرون”

“وليتذكر أولو الألباب”

كلها رسائل واضحة، أن الوعى ليس رفاهية، بل فريضة إنسانية، قد نبني ناطحات السحاب ثم نهدمها، وقد نحول شوارعنا إلى لوحات خضراء جميلة، ثم تعود جدباء كالصحراء، قد نشيد أحدث الكباري والطرق الطائرة.

ثم يأتي سائق متهور عقله غائب، ووعيه في الهواء، فيوقف مصالح الناس بطيشه، فتصبح الطرق بلا قيمة كأنها لم تُبنَ من الأساس، وقد نبني مدنًا أفخم من أرقى مدن العالم، لكن حين يسكنها من لا وعي لهم، تتحول إلى فوضى إلى عشوائية إلى ما يشبه السيرك.

كل يوم نرى مشهدًا يتكرر

شخص يمشي مسافة طويلة حتى يصل إلى صندوق القمامة، ثم يلقي الكيس خارجه، أو يكون الصندوق قريبًا جدًا، لكن الكسل يجعله يرمي القمامة في أقرب مكان، وكأن الصندوق وُضع للزينة، أو كأنه قطعة أثرية في متحف.

الحقيقة البسيطة هي:

البناء يبدأ من الإنسان وليس من الجدران، علّموا الإنسان قيمة ما يملك، كيف يحافظ عليه، حتى الطفل، يجب أن يتعلم الحفاظ على لعبته الصغيرة بين يديه، أصلحوا التعليم، لدينا آلاف الخريجين يعلّقون شهاداتهم على الجدران،

لكن عقولهم لم تتعلم كيف تفكر، ولا كيف تفهم، ولا كيف تطبق ما تعلمته، أنفقوا المليارات على بناء العقول، لا على الإسمنت فقط.

اصنعوا مناهج تصنع الوعي، وتُخرج إنسانًا قادرًا على البناء، وقادرًا على الحفاظ على ما بُني.

بكل صراحة: التعليم في كثير من الأحيان أصبح للامتحان فقط، يحفظ الطالب الدرس ثم ينساه بعد الامتحان، لكن عندما يخاطب التعليم عقولنا، وعندما نتعلم كيف نطبق ما ندرسه في حياتنا، حينها فقط يتشكل الوعي، وتصبح الشهادة ذات قيمة حقيقية.

الوعي لا نحتاجه في العمل فقط بل في الحياة كلها

عندما يفهم الزوج والزوجة أن بناء عقلية واعية للحياة

أهم من الذهب، وأهم من الشقة، وأهم من الأثاث والأجهزة.

ما فائدة بيت مليء بالأجهزة الغالية، إذا كان خاليًا من الاحترام، ومن الصبر، ومن الثقافة الزوجية.

ومن الوعي؟

في فترة الخطوبة قد يبذل الطرفان جهدًا هائلًا لبناء كل شيء مادي، لكن بعد الزواج، وعند أول صدام بين عقلين غير ناضجين، ينهار كل شيء بسهولة.

وقد يعيش الأب أو الأم بلا وعي، فينشأ أبناء ضعفاء الفكر، مشوشي العقل، سيئين التربية.

نحن نحتاج الوعي في كل شيء، للأسف، نستخدم التكنولوجيا بلا وعي، نستخدم وسائل التواصل بلا وعي، نستخدم أشياء عظيمة القيمة، لكن بعقول غائبة.

وفي أوقات الأزمات والحروب، يظهر معدن ووعي الشعوب، قد يبذل الجندي دمه وعرقه في ميدان المعركة، لكن تضيع كل تضحياته، إذا كان الشعب من خلفه فاقد الوعي، مصدقًا للشائعات، منهارً نفسيًا،ومتفككًا. 

لو لم يكن أهل غزة واعين ومتمسكين بأرضهم، لما بقيت المقاومة، ولما بقيت الأرض، ولو لم يكن الشعب المصري واعيًا في حرب أكتوبر، لما عادت سيناء.

الإنسان بلا وعي، هو آلة هدم لكل بناء حوله، منذ زمن بعيد، وهناك حرب تُشن علينا، ليست حرب سلاح فقط،بل حرب عقل وهوية.

حرب تُمرر عبر الإعلام، وعبر الفن، وعبر وسائل التواصل، تشوش العقول، وتضعف الهوية، وتُبعد الإنسان عن دينه وعن تفكيره.

حتى يصبح شعبًا بلا وعي، وبلا هوية، وحينها يصبح هزيمته أسهل بكثير من إطلاق رصاصة، كل فتن آخر الزمان، هي في الحقيقة اختبار لوعي الإنسان.

فالوعي هو أن تدرك ما حولك، وما بداخلك، إدراكًا كاملًا، وهذا لا يأتي إلا بعقلٍ تأسس على العلم الصحيح، وعلى حب التفكير، والتدبر، الذي أمرنا به الله.

فحرب العقول اليوم، أخطر بكثير من حرب السلاح، ولهذا تبقى الحقيقة الخالدة، الجهل أخطر على الشعوب من الفقر.

قال الله تعالى:

“قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون”

لذلك تدبروا، تفكروا، واعقلوا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى