من المحاضرة إلى المقهى.. لماذا يهرب بعض الطلاب من قاعات الدراسة؟
غياب الطلاب عن المحاضرات.. أصدقاء وضغوط دراسية وأساليب تعليم تدفع البعض إلى المقاهي

تقرير _ فاتن شعيب
مع بداية اليوم الدراسي، يتجه الطلاب إلى المدارس والجامعات، لكن المشهد لا يخلو من طلاب يفضلون قضاء جزء من ساعات الدراسة خارج القاعات، خاصة داخل المقاهي القريبة من المؤسسات التعليمية، لتتحول بعض الأماكن إلى تجمعات للطلاب بدلًا من المحاضرات والحصص. وبينما قد يبدو الأمر مجرد رغبة في الترفيه وقضاء الوقت مع الأصدقاء، فإن تكرار الغياب يفتح تساؤلات حول الأسباب التي تدفع بعض الطلاب إلى الابتعاد عن قاعات الدراسة، وهل المشكلة مرتبطة بالطالب وحده أم أن هناك عوامل أخرى داخل البيئة التعليمية.
الطالب بين الالتزام والغياب
تختلف أسباب غياب الطلاب من شخص لآخر؛ فبعضهم يرى أن حضور المحاضرات والحصص أمر أساسي لفهم المواد، بينما يعتمد آخرون على المذكرات أو المحتوى المتاح إلكترونيًا لتعويض ما فاتهم. وأظهرت دراسة تناولت حضور المحاضرات لدى طلاب جامعيين في مصر أن من العوامل المؤثرة في قرار الطالب بالحضور مدى استفادته من المحاضرة وإمكانية الحصول على محتواها بطرق أخرى.
بالأرقام.. الغياب والدروس يكشفان جانبًا من المشكلة
وتكشف بيانات تحليل قطاع التعليم قبل الجامعي في مصر أن 72% من الأطفال في سن الدراسة تلقوا دروسًا خصوصية عام 2019 قبل جائحة كورونا، بينما تراجعت النسبة إلى 58% خلال فترة الجائحة. وأوضحت البيانات أن أحد أبرز أسباب اللجوء إلى الدروس الخصوصية كان عدم توفير مجموعات المساعدة داخل المدرسة أو المجتمع، بنسبة تراوحت بين 69% و76% بحسب المرحلة التعليمية.
كما أظهرت بيانات أخرى أن 65% من طلاب المرحلة الإعدادية تغيبوا عن المدرسة يومًا واحدًا على الأقل خلال العام، بينما بلغت النسبة 62% بين طلاب المرحلة الثانوية العامة، وكان 37% من طلاب الثانوية العامة قد تغيبوا للدراسة، و12% تغيبوا للحصول على دروس خصوصية، بما يعكس وجود ارتباط بين الحضور المدرسي والاعتماد على مصادر تعليمية خارج المؤسسة.
أستاذ علم الاجتماع: تأثير الأصدقاء والبيئة المحيطة
ويرى متخصص في علم الاجتماع أن سلوك الطالب لا يمكن فصله عن البيئة المحيطة به، فالأصدقاء والرغبة في الانتماء إلى المجموعة قد يؤثران في قرارات الطالب اليومية، ومنها اختيار الجلوس مع أصدقائه بدلًا من حضور المحاضرات. ويحتاج التعامل مع الظاهرة إلى فهم دوافع الطلاب، إلى جانب دور الأسرة والمؤسسة التعليمية في مساعدتهم على تنظيم الوقت والالتزام بالدراسة.
أستاذ التربية: طريقة تقديم المادة عامل مهم
ومن الجانب التربوي، يرى متخصص في التربية أن ضعف التفاعل داخل بعض القاعات أو الاعتماد على أساليب تدريس تقليدية قد يقلل من حماس الطالب للحضور، خاصة إذا لم يشعر بأن وجوده داخل المحاضرة يضيف إليه معرفة أو مهارة جديدة. كما أن اعتماد بعض الطلاب على الدروس الخصوصية والمصادر التعليمية الخارجية قد يجعلهم أقل ارتباطًا بالحضور المنتظم داخل المؤسسة التعليمية.
أخصائي نفسي: فقدان الدافعية لا يعني دائمًا الكسل
ويشير أخصائي نفسي إلى أن انخفاض الدافعية تجاه الدراسة قد يرتبط بالضغوط الدراسية والإرهاق والشعور بعدم القدرة على تحقيق النتائج المطلوبة، ولذلك فإن وصف الطالب بالكسل فقط لا يكشف السبب الحقيقي وراء الغياب. ويحتاج الطالب في بعض الحالات إلى الحوار معه وفهم ما يمر به، إلى جانب مساعدته على تنظيم وقته ووضع أهداف دراسية واقعية.
المقهى.. مكان للقاء أم بديل عن قاعة الدراسة؟
تتحول بعض المقاهي القريبة من المدارس والجامعات خلال ساعات الدراسة إلى أماكن تجمع للطلاب، خاصة في أوقات الفراغ وبين المحاضرات. ويجد بعض الطلاب فيها فرصة للحديث والترفيه، بينما يستخدمها آخرون للمذاكرة أو الانتظار حتى موعد محاضرة أخرى، لكن استمرار وجود الطالب داخل المقهى خلال وقت الدراسة يظل محل تساؤل عندما يتحول إلى عادة تؤثر على انتظامه وتحصيله.
الأسرة أمام مسؤولية المتابعة
تظل الأسرة طرفًا أساسيًا في متابعة انتظام الأبناء، لكن التعامل مع غياب الطالب يحتاج إلى الحوار قبل العقاب، خاصة إذا أصبح الغياب متكررًا. ويمكن للأسرة محاولة معرفة الأسباب التي تدفع الطالب إلى الابتعاد عن الدراسة، ومساعدته على تنظيم يومه، مع التواصل مع المدرسة أو الجامعة عند ظهور مشكلة مستمرة في الحضور أو التحصيل.
الحل.. تعليم أكثر جذبًا ومتابعة أكثر وعيًا
مواجهة الظاهرة لا تعتمد على العقوبات وحدها، وإنما تحتاج إلى تعاون بين الطالب والأسرة والمؤسسة التعليمية، من خلال تطوير أساليب الشرح، وزيادة الأنشطة والمشاركة، ومتابعة الغياب، مع الاهتمام بالجوانب النفسية والاجتماعية للطلاب. كما أن توفير بيئة تعليمية أكثر تفاعلًا قد يقلل من شعور الطالب بأن المقاهي أو الأماكن الخارجية أكثر جذبًا من قاعة الدراسة.
بين مقعد الدراسة وكرسي المقهى، تقف ظاهرة غياب بعض الطلاب أمام سؤال أكبر من مجرد الالتزام بالحضور: لماذا أصبح بعض الطلاب يجدون خارج القاعة ما لا يجدونه داخلها؟ فالأرقام تكشف أن الغياب والاعتماد على مصادر تعليمية خارج المؤسسة الرسمية لهما أسباب متعددة، بينما تظل المواجهة الحقيقية مرتبطة بفهم الطالب وتطوير البيئة التعليمية، حتى يصبح الحضور نابعًا من اقتناع الطالب بقيمة ما يتعلمه، وليس مجرد خوف من الغياب.أسعار الذهب اليوم في مصر الإثنين تراجع 20 جنيهًا

