
تقرير: دينا جمال
سوء فهم مفهوم العمق
دائمًا ما يُوصَف أرون بيك والعلاج المعرفي السلوكي بأنهما سطحيان، خاصة حين يوضعان في مقارنة مباشرة مع العلاجات الدينامية، والمفارقة أن هذا الحكم، في حد ذاته، يكشف عن سطحية في فهم ما هو “العمق” أصلًا. كثيرون يخلطون بين العمق الزمني والعمق البنيوي، بين أن تقضي سنوات تحكي، وأن تلمس البنية التي تُنتِج الحكاية.
الحفر الرأسي في نقطة التكوّن
العلاج المعرفي السلوكي لا يدّعي أنه يحفر في كل الاتجاهات، لكنه يحفر رأسيًا، في نقطة التكوّن نفسها، في اللحظة التي يتحول فيها الإدراك إلى شعور، ويتجسد الشعور في سلوك، ثم يُعاد تثبيت المعنى كحقيقة عن الذات والعالم، العلاج المعرفي السلوكي ليس مجموعة تمارين، ولا واجبات منزلية، ولا مجرد تقنيات لإزالة الأعراض.
السؤال الجوهري للعلاج
هذه قراءة إجرائية فقيرة لعلاج يعمل منذ نشأته، على سؤال جوهري: كيف يرى الإنسان نفسه، وكيف يفسّر ما يحدث له، وكيف تتحول هذه الرؤية إلى حياة كاملة، المعتقد الجوهري في العلاج المعرفي السلوكي لا يُختزل في جملة ذهنية من نوع “أنا فاشل” أو “غير محبوب” او “العالم خطر”.
المعتقد كعدسة وجودية
هو موقف وجودي مستقر، نغمة داخلية يعيش بها الإنسان دون أن ينتبه، هو العدسة التي تُحدِّد ما يُرى تهديدًا، وما يُفسَّر كرفض، وما يُعاد تأويله كذنب، وغالبًا ما تتكوّن هذه العدسة في الطفولة المبكرة، حين لا يكون لدى الطفل أدوات نقد أو مسافة، فيبتلع التجربة كما هي، ويحوّلها إلى حقيقة مطلقة.
اتهام السطحية وسوء الفهم
حين يعمل علاج على هذا المستوى، يصبح اتهامه بالسطحية أقرب إلى سوء فهم منه إلى نقد علمي، قد يُقال إن عدد الجلسات القليل دليل على الضحالة، لكن قِصر الزمن لا يعني غياب العمق، بل قد يعني وضوح الهدف، ودقة الفرضية، واحترام عقل المريض بدل استنزافه في مسارات لا تُراجع نفسها.
العمق وإصابة موضع الجرح
العمق ليس في الإطالة، بل في إصابة موضع الجرح. أرون بيك لم يكن صاحب منظومة نظرية مغلقة، بل كان ملاحظًا إكلينيكيًا شديد الحساسية، عبقريته لم تولد من التجريد، بل من الإصغاء، من تتبع التفاصيل الصغيرة في حديث المرضى، من ملاحظة كيف تسبق الفكرة الشعور.
الدائرة المحكمة
وكيف يتلو الشعور السلوك، وكيف يُعاد إنتاج الفكرة من جديد، في دائرة تبدو محكمة الإغلاق، هو لا يسأل فقط: لماذا فعلت؟ بل: كيف بدا لك هذا الفعل منطقيًا في لحظته؟ المباشرة التي تميّز CBT كثيرًا ما تُساء قراءتها، يُظن أنها تسطيح، بينما هي في حقيقتها موقف علاجي واضح.
الوضوح بدل تقديس الغموض
أن لا نختبئ خلف الغموض، ولا نقدّس التعقيد لذاته، ولا نُطيل الطريق إذا كان الجذر ظاهرًا لمن يعرف كيف ينظر، العلاج المعرفي السلوكي لا ينكر اللاوعي، لكنه يرفض تحويله إلى صندوق أسود مقدس، هو يتتبعه حين يظهر، في اللغة، في الافتراضات، في الاستنتاجات السريعة.
كيف يعيش الماضي في الحاضر
في الطريقة التي يُملأ بها الفراغ بالمعنى، وهنا يلتقي مع العمق، لا من باب الحفر في الماضي فقط، بل من باب فهم كيف يعيش الماضي في الحاضر، السطحية ليست أن تعمل على الفكرة، السطحية أن تعمل على الفكرة دون أن تفهم لماذا وُجدت، ولماذا تُصدَّق.
وضوح لا يخشى العمق
ولماذا تُقاوَم حين نقترب منها، أما أرون بيك، فلم يكن سطحيًا، بل كان واضحًا بقدر ما يحتمل العمق، وصادقًا بقدر ما يسمح به العقل حين يتخلى عن أوهام الغموض.



