أخبار

«حين يصبح التنمّر جريمة صامتة… من يحمي أبناءنا قبل أن نحمل نعوشهم؟!»

واقعة "حمزة" تفضح التنمر في المدارس وتطرح تساؤلات حول غياب الحماية والعقاب الرادع

 

بقلم همت داود 

 

لم يعد التنمّر اليوم مجرد سلوك عابر بين الأطفال أو “مشاكسة” مدرسية كما كان يُتصوَّر في أذهان البعض، بل تحوّل إلى ظاهرة اجتماعية خطيرة، تضرب في عمق القيم، وتفتك بالأمن النفسي، وتهدد السلم الاجتماعي، وتكشف عن خلل تربوي وأخلاقي وقانوني لا يجوز السكوت عنه.

 

والأخطر من انتشار التنمّر في الشارع المصري، أن يتسلل إلى المدارس الحكومية والخاصة، تلك التي يفترض أن تكون حصن الأمان، ومصنع القيم، ومهد التربية، فإذا بها – في بعض النماذج المؤلمة – تتحول إلى ساحات قسوة، وصمت، وعقاب لا يرقى إلى حجم الجريمة.

 

نحن اليوم نقرع ناقوس الخطر، لا بدافع الإثارة، بل خوفًا على جيلٍ كامل، وعلى أطفالٍ وشبابٍ قد يتحولون من ضحايا إلى ناقمين، أو من متألمين إلى منتحرين، إذا استمر الصمت، وغاب الردع، وضعفت التوعية.

 

أولًا: ما هو التنمّر؟ ولماذا أصبح خطرًا داهمًا؟

 

التنمّر هو سلوك عدواني متكرر، لفظي أو جسدي أو نفسي، يقوم فيه شخص أو مجموعة بإيذاء شخص أضعف منهم، مستغلين فارق القوة، سواء كانت قوة جسدية، أو نفسية، أو اجتماعية، أو حتى اختلافًا جسديًا أو صحيًا.

ولا يقف التنمّر عند حدود السخرية أو الإهانة، بل قد يتطور إلى:

اعتداء بدني مباشر..تشويه نفسي عميق…كراهية الذات…..العزلة . الاكتئاب. التفكير في الانتحار.

 

وهنا تتحول الجريمة من “سلوك خاطئ” إلى قنبلة موقوتة تهدد الفرد والأسرة والمجتمع.

 

ثانيًا: حين يكون الضحية من ذوي الاحتياجات الخاصة… تتضاعف الجريمة

 

إذا كان التنمّر مرفوضًا في كل صوره، فإنه يصبح جريمة أخلاقية وإنسانية مكتملة الأركان حين يُمارَس ضد ذوي الاحتياجات الخاصة.

هؤلاء الذين أوصانا بهم الدين، وحماهم القانون، ورفع من شأنهم الوطن، وجعلهم في صدارة الاهتمام الرسمي.

قال الله تعالى:﴿لَّا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾

(سورة الحجرات: 11)

وقال النبي ﷺ:«بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»

فكيف بمن يسخر، ويضرب، ويستغل ضعف البصر أو الجسد؟

أي دين هذا؟ وأي أخلاق؟ وأي تربية؟

 

ثالثًا: نموذج مؤلم… قضية الطالب حمزة محمد محمود..

 

بعيدًا عن التنظير، نقف أمام نموذج واقعي موجع، يكشف حجم الكارثة حين تجتمع قسوة التنمّر مع ضعف الردع….الطالب حمزة محمد محمود، بالصف الأول الثانوي، بمدرسة مدرسة الخديوي إسماعيل بالسيدة زينب، وهو فاقد لعينه اليسري تعرّض لتنمّر وحشي من زملائه، لم يكتفوا بالسخرية، بل تطور الأمر إلى اعتداء بالضرب.

فتم تحرير محضر رسمي بالواقعة وكانت تسبقها واقعة من سنتين نفس الشخص تسبب في جرح غائر وعميق بالذقن وتخييط ٢١ غرزه

ورغم فداحة الجريمة، تنازل والد الطالب عن التلميذ المعتدي حرصًا على مستقبله، في موقف إنساني راقٍ، يُحسب له لا عليه.

لكن ماذا كانت النتيجة؟

لا ردع… ولا عقاب رادع… لا تقويم سلوكي حقيقي.

فاستغل المعتدون هذا التهاون، وأعادوا الكرة، واعتدوا عليه مرة ثانية، هذه المرة بضربه في عينيه المصابة، مستغلين فقد بصره بالعين اليسري وضعف نظر العين الاخري في مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه انحدار أخلاقي مخيف.

اليوم، لا يعاني حمزة من جراح جسدية فقط، بل من:آثار نفسية شديدة..وكراهية للحياة..وخوف دائم…واحتمال التفكير في الانتحار في أي لحظة. وهنا لم تعد القضية قضية طالب، بل قضية مجتمع كامل.

 

رابعًا: أين الخلل؟ ولماذا يتفشى التنمّر؟

 

١– غياب الردع الحقيقي

حين لا يتناسب العقاب مع حجم الجريمة، يتحول العقاب إلى تشجيع غير مباشر على التكرار.

 

٢-ضعف الدور التربوي

المدرسة ليست مكانًا للتعليم فقط، بل مؤسسة تربية وقيم. وعندما تكتفي بالصمت أو الإجراءات الشكلية، فإنها تفشل في رسالتها.

 

٣- خلل أسري

التنمّر لا يولد في المدرسة فقط، بل يبدأ في:بيتٍ يُشرعن العنف..وأسرة تبرر الخطأ….وأبٍ يفاخر بقسوة ابنه….وأمٍ ترى التنمّر “شقاوة أولاد”

 

٤- غياب الوعي المجتمعي

كثيرون لا يدركون أن التنمّر قد يقتل دون سكين، ويدمر دون دم.

 

خامسًا: خطورة التنمّر على الفرد والأسرة والمجتمع

 

على الفرد:فقدان الثقة بالنفس

اضطرابات نفسية…عزلة…اكتئاب

ميول انتحارية…على الأسرة:

شعور بالعجز….غضب مكبوت

تفكك نفسي…فقدان الإحساس بالأمان

واثاره على المجتمع:نشر ثقافة العنفً. وغياب الرحمة. وتهديد السلم الاجتماعي. وإنتاج أجيال ناقمة أو عدوانية

قال رسول الله ﷺ:«الراحمون يرحمهم الرحمن»فأي رحمة في التنمّر

 

سادسًا: ماذا يقول القانون؟ وأين تفعيلُه؟

 

القانون المصري يجرّم الاعتداء الجسدي والنفسي، ويعاقب عليه، لكن المشكلة ليست في النصوص، بل في:ضعف التفعيل..والتهاون في التنفيذ.. والخوف من “تشويه مستقبل الطالب المعتدي”

مع تجاهل مستقبل الضحية!

أي مستقبل نريده لوطنٍ يُترك فيه الضعيف بلا حماية؟

 

سابعًا: كيف نواجه الظاهرة؟ (رؤية علاجية شاملة)

١- الضرب بيدٍ من حديد

لا بد من:عقوبات رادعة

فصل مؤقت أو نهائي حسب الجرم

إلزام المعتدي ببرامج تأهيل نفسي

 

٢- تفعيل دور الأخصائي النفسي

ليس شكليًا، بل بمتابعة حقيقية للضحايا والمعتدين.

 

٣- شراكة المدرسة والأسرة

التربية مسؤولية مشتركة، لا مجال للتراشق أو التبرير.

 

٤- حملات توعوية مستمرة

داخل المدارس، وخارجها، وباللغة التي يفهمها الطلاب.

٥- حماية خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة..مراقبة…دعم نفسي

إجراءات فورية عند أي تعدٍّ

 

ثامنًا: رسالة إلى كل مسؤول

 

إلى كل مسؤول في موقعه…

إلى مدير مدرسة….إلى معلم…

إلى أخصائي اجتماعي…إلى ولي أمر…الصمت شراكة في الجريمة.

لقد أكد السيد رئيس الجمهورية مرارًا أن ذوي الاحتياجات الخاصة في قلب اهتمام الدولة، فهم الضعفاء الذين ننصر بهم، ومن حقهم الحماية، والكرامة، والعيش الآمن.قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:«متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟»

فكيف نستعبدهم بالسخرية والضرب والإذلال؟

 

ختاما: صرخة أخيرة… قبل فوات الأوان

صرخة استغاثة للسيد الاب رئيس الجمهوريه عبد الفتاح السيسي 

صرخة استغاثة لوزير الداخلية

صرخة استغاثة لوزير التعليم

 

قضية الطالب حمزة محمد محمود برقم ٣٠١٧ جنح لسنة ٢٠٢٦ ليست حالة فردية، بل جرس إنذار.

فإما أن نواجه التنمّر بحزم وعدل ورحمة،وإما أن نستيقظ يومًا على خبر انتحار طالب، أو انهيار أسرة، أو مجتمع فقد إنسانيته.

التنمّر لا يقره دين، ولا أخلاق، ولا قانون.

ومواجهته ليست خيارًا، بل واجب وطني وأخلاقي وديني.

فلنحفظ أبناءنا…ولنحمِ ضعفهم…

ولنضرب بيد من حديد على كل من تسوّل له نفسه إيذاء إنسان،

صيانةً للسلم الاجتماعي، وحفاظًا على مستقبل وطنٍ لا يُبنى بالقسوة، بل بالعدل والرحمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى