
بقلم دكتور/طارق هلال
حين ينظر البعض إلى ذوي الهمم باعتبارهم فئة تحتاج إلى الرعاية فقط، فإنهم يغفلون حقيقة أكبر وأعمق؛ فهذه الفئة ليست عبئًا على المجتمعات، بل هي واحدة من أعظم مصادر القوة الكامنة فيها.
وبينما شهدت بعض المجتمعات عبر التاريخ صورًا من التهميش أو الإقصاء، أثبتت التجارب الإنسانية الحديثة أن الأمم العظيمة لا تُقاس بكيفية تعاملها مع الأقوياء فقط، بل بكيفية احتضانها لكل أبنائها، وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة والإبداع وصناعة المستقبل.
وفي الوقت الذي تتداول فيه بعض منصات التواصل الاجتماعي أحاديث عن ممارسات غير إنسانية شهدتها بعض الدول تجاه أصحاب الإعاقات في فترات تاريخية مختلفة، تبرز التجربة المصرية باعتبارها نموذجًا قائمًا على الدمج والتمكين واحترام الكرامة الإنسانية، انطلاقًا من إيمان الدولة بأن كل مواطن يمثل قيمة مضافة للوطن.
لقد شهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا غير مسبوق من الدولة المصرية وقيادتها السياسية بملف ذوي الهمم، حيث تحولت القضية من مجرد رعاية اجتماعية إلى رؤية شاملة تهدف إلى التمكين والدمج الكامل في المجتمع.
فتم إصدار التشريعات الداعمة لحقوقهم، وتوسيع فرص التعليم والعمل، وتطوير الخدمات الصحية والتأهيلية، وإتاحة العديد من المرافق العامة بما يتناسب مع احتياجاتهم، فضلًا عن تمثيلهم بصورة أكبر في مختلف الفعاليات والمبادرات الوطنية.

ولم يكن هذا الاهتمام مجرد إجراءات رسمية، بل رسالة واضحة تؤكد أن ذوي الهمم جزء أصيل من قوة الدولة المصرية ومن مشروعها التنموي والإنساني، فكل استثمار في قدراتهم هو استثمار في مستقبل الوطن نفسه.
وعلى المستوى العالمي، شهدت العقود الأخيرة تطورًا كبيرًا في النظرة إلى ذوي الهمم، حيث تبنت الأمم المتحدة والعديد من الدول المتقدمة سياسات تقوم على الدمج والمساواة وتكافؤ الفرص، إيمانًا بأن الإعاقة لا تعني غياب القدرة، وأن التحديات الحقيقية غالبًا ما تكون في البيئة المحيطة لا في الإنسان نفسه.
والواقع يؤكد ذلك؛ فالعالم مليء بالنماذج المضيئة التي أثبتت أن الإرادة يمكنها تجاوز أصعب العقبات، فقد قدم ذوو الهمم علماء ومفكرين ورياضيين وفنانين ومبدعين تركوا بصمات خالدة في تاريخ الإنسانية، وأثبتوا أن العطاء لا يعرف حدودًا جسدية أو حسية، بل تحدده قوة العقل والإرادة والإيمان بالذات.
ومن خلال رحلتي المهنية، كان لي شرف العمل والتعاون مع عدد من ذوي الهمم في مناسبات ومشروعات مختلفة، ولم أكن أتعامل معهم بدافع الواجب أو المجاملة، بل بدافع قناعة راسخة بقيمتهم وقدراتهم الاستثنائية. وفي كل تجربة كنت أكتشف طاقات هائلة، وعقولًا مستنيرة، وإصرارًا ملهمًا على النجاح والتفوق.
لقد تعلمت منهم أن الإرادة أقوى من العقبات، وأن التفاؤل يمكن أن يكون أسلوب حياة، وأن الإنسان قادر على تجاوز ما يظنه الآخرون مستحيلًا. العمل معهم لا يمنحك فقط نتائج إيجابية، بل يمنحك طاقة إنسانية استثنائية تدفعك إلى مزيد من الإيمان بقدرات البشر وإمكاناتهم.
إن ذوي الهمم ليسوا مجرد أصحاب احتياجات خاصة، بل هم أصحاب قدرات خاصة ومواهب فريدة وطاقات ربانية عظيمة. كثير منهم يمتلكون مهارات وإبداعات قد لا تتوافر لدى غيرهم، وإذا أتيحت لهم الفرصة الحقيقية فإنهم يتحولون إلى قوة إنتاج وإبداع وقيمة مضافة يستفيد منها الوطن والعالم بأسره.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقة يمثلون نسبة معتبرة من سكان العالم، وهو ما يجعل الاستثمار في قدراتهم ليس خيارًا إنسانيًا فقط، بل ضرورة تنموية واقتصادية وحضارية. فكل فرد يتم تمكينه وتعزيز مشاركته في المجتمع يضيف لبنة جديدة في بناء مستقبل أكثر قوة وعدالة واستدامة.
وفي الختام: إن الأمم التي تتقدم ليست تلك التي تبحث عن الكمال الجسدي، بل تلك التي تؤمن بالكمال الإنساني. وذوو الهمم أثبتوا مرارًا أنهم ليسوا على هامش الحياة، بل في قلبها. هم صناع أمل، ومصدر إلهام، وشركاء حقيقيون في بناء الأوطان.
وإذا كانت بعض المجتمعات قد أخطأت يومًا في تقدير هذه الفئة العظيمة، فإن مصر اليوم تقدم رسالة مختلفة مفادها أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن قيمة الأوطان تُقاس بقدرتها على احتضان جميع أبنائها دون استثناء.
سيظل ذوو الهمم دائمًا نموذجًا للإرادة والتحدي والإبداع، وسيظل عطاؤهم شاهدًا على أن القوة الحقيقية لا تُقاس بما يفتقده الإنسان، بل بما يمتلكه من عزيمة وإيمان وقدرة على تحويل التحديات إلى نجاحات، والأحلام إلى إنجازات، والمستحيل إلى واقع.



