”ترامب يعطس والعالم يجيله برد”!! كيف يمكن لقرارات رئيس دولة واحدة أن تؤثر على العالم كله؟
تأثير سياسات ترامب على الاقتصاد العالمي

كتبت: زينب حسن
”أمريكا أولًا”.. شعار عاد به دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025،حاملًا سياسات اقتصادية قلبت موازين التجارة العالمية. تعريفات جمركية شاملة، وعمليات ترحيل جماعي، وتقليص تداعياتها على الاقتصاد الأمريكي، بل امتدت كموجات صادمة عبر العالم المترابط. ويحاول هذا التقرير تقديم صورة مختصرة عن حجم الاضطراب الذي أحدثته هذه القرارات في النظام الاقتصادي العالمي.
التأثير على الاقتصاد العالمي
تشير دراسة منشورة في أبريل 2025 إلى أن السياسات التجارية لإدارة ترامب أدت إلى انكماش التجارة العالمية بنسبة تتراوح بين 1.5%و 2% مع توقعات بخفض النمو العالمي بنسبة 0.6 إلى 1.3 نقطة مئوية في الفترة 2025-2026، وارتفاع التضخم العالمي بنسبة 1.3 إلى 1.8 نقطة مئوية. فرضت الإدارة تعريفات جمركية استهدفت الصين والاتحاد الأوروبي والمكسيك، مما أثار موجة من التعريفات الانتقامية المتبادلة __ففي المكسيك، تواجه حوالي 50%من صادراتها الآن تعريفات عقابية بنسبة25%، مقارنة بـ3%فقط في السابق.

أما سلاسل الإمداد فتعاني من “تشوهات وارتفاع في تكاليف المدخلات وتوقع انخفاض في الطلب”، مما ينعكس على قطاعات البناء والسيارات والسلع الإستهلاكية، بينما تتجه الصين إلي تقليل مخاطر السوق الأمريكية وزيادة صادراتها لأسواق جديدة، مع بقاء الهند ودول الآسيان وجهات مفضله لتنويع سلاسل التوريد. ورغم أن استطلاعًا لمركز أبحاث الاقتصاد الكلي وجد أن أكثر من 70% من الخبراء يعتقدون أن تأثير الرسوم الجمركية على واردات الاتحاد الأروربي سيكون محدودًا، إلا أن معهد السياسة الاقتصادية يحذر من أن” عدم اليقين الجذري والتطبيق الفوضوي لسياسات ترامب يبدو مصممًا تقريبًا لتجميد الاستثمارات التجارية الجديدة”.
التأثير على الأسواق المالية

شهدت أسواق الأسهم الأمريكية تقلبات كبيرة مع انخفاضات حادة في مؤشرات مثل 500 S&P، وهي آثار “لا تزال قابلة للملاحظة” وفق دراسة أكاديمية حللت تأثير تعريفات ترامب على كفاءة الأسواق المالية. كما تشير المؤشرات إلى ضعف الدولار الأمريكي، مدفوعًا بتقلبات السوق وتزايد حالة عدم اليقين العالمي، مما يخلق تحديات إضافية للدول التي تربط عملاتها بالدولار وعلى رأسها دول الخليج. في المقابل، بدأت صناديق الثروة السيادية الخليجية إعادة معايرة محافظها الاستثمارية وتسريع المخصصات نحو آسيا والجنوب العالمي، وسط توقعات بأن العلاقات التجارية الإقليمية والثنائية ستكتسب أهمية متزايدة في ظل النظام التجاري العالمي الجديد.
التأثير على الاقتصاد الأمريكي

يشير تحليل معهد السياسة الاقتصادية إلى أن سياسات ترامب تزيد من خطر الركود من خلال إبطاء الإنفاق، موضحًا أن تخفضيات القوى العاملة الفيدرالية وعمليات الترحيل وتباطؤ الهجرة والفوضى في السياسة التجارية كلها عوامل أثرت سلبًا على نمو الطلب. وبين يناير وديسمبر 2025، فقد 290,000 عامل فيدرالي وظائفهم، بينما أقرت ميزانية الجمهوريين تخفيضات في مزايا برنامج المساعدات الغذائية وبرنامج Medicaid الصحي بقيمة 100 مليار دولار سنويًا على مدي العقد القادم، إضافة إلى إلغاء الدعم المُعزز للتأمين الصحي مما سيضاعف أقساط 20 مليون أمريكي بتكلفة تزيد عن 30 مليار دولار سنويًا. وعلى صعيد الأسعار، تشكل الرسوم الجمركية أعلى مخاطر التسبب في ارتفاعات كبيرة للمستهلكين واضطرابات في سلاسل التوريد عبر قطاعات الأغذية والمشروبات ومستحضرات التجميل والصحة والأدوات المنزلية والتكنولوجيا
التأثير على النمو طويل المدى

تحذر دراسة معهد السياسة الاقتصادية من أن عمليات الترحيل الجماعي ستدفع نمو القوى العاملة في الاقتصاد الأمريكي إلى المنطقة السلبية في السنوات القادمة. وفي حين تشهد صناعات مثل أشباه الموصلات والبطاريات والمركبات الكهربائية وتقنيات الذكاء الاصطناعي إعادة توطين داخل الولايات المتحدة، إلا أن تقلب السياسة التجارية يثير تساؤلات جوهرية: من سيُنشئ منشأة تصنيع جديدة إذا لم يكن لديه أي فكرة عن شكل المشهد التنافسي للقطاع في السنوات القادمة؟ كما أن ما يقرب من ثلث نمو الإنتاجية الكلية للعوامل ينبع من الإنفاق على البحث والتطوير الممول فيدراليًا، وهو ما بات مهددًا في ظل السياسات الحالية.
توزيع الدخل وعدم المساواة

التخفيضات الضريبية التي يقودها الجمهوريون في عام 2025 تفيد الأثرياء، بينما تؤدي تخفيضات الإنفاق إلى انخفاض حاد في دخول النصف الأدنى من الأسر الأمريكية، وهو مزيج سيؤدي إلى ارتفاع كبير في عدم المساواة. وقد ساهمت الاختيارات السياسية التي عززت البطالة المفرطة وبطء نمو جانب العرض وارتفاع عدم المساواة في جعل العقود الأخيرة صعبة للغاية للأسر العادية، وسياسات إدارة ترامب تضاعف من أسوأ هذه القرارات وستجعل الأسر العادية أكثر فقرًا بشكل موثوق في المستقبل.
ردود الفعل الدولية

يرى الاتحاد الأوروبي أن أفضل رد هو مزيج من رسوم جمركية انتقامية موجهة واتفاقيات تجارية مع شركاء جدد وتدابير تنظيمية على شركات التكنولوجيا الأمريكية. وفي الخليج، يُنظر إلى ولاية ترامب الثانية كنقطة انعطاف هيكلية تتطلب ردًا استباقيًا قوامه تنويع التحالفات وتوطين سلاسل القيمة. أما كندا، حيث صاحبت التعريفات تهديدات بالضم، فقد حظي تنويع التجارة والتجارة الحرة الداخلية بين المقاطعات بدعم واسع. الصين بدورها ردت بقوة دفاعًا عن النظام التجاري الدولي القائم على القواعد وتدعو إلى توافق عالمي حول التجارة الحرة، بينما ردت المكسيك بحذر عبر التفاوض بدل الانتقام، مؤكدة أن “أمريكا أولًا” يجب ألا تترجم إلى “أمريكا وحدها”.

ختامًا:
امتدت سياسات ترامب الاقتصادية لتُحدث اضطرابًا في التجارة العالمية والأسواق المالية وسلاسل الإمداد، رافعةً مخاطر الركود وعدم المساواة حتى داخل أمريكا نفسها. وبينما يسارع الشركاء الدوليون للتكيف، يبقي السؤال معلقًا: هل يكون هذا الاضطراب نقطة تحول دائمة في النظام الاقتصادي العالمي، أم مجرد عاصفة عابرة؟



