أخبارتقنيةمقالات

حين يتحول الهاتف المحمول إلى محكمة في الشارع.. هل حان وقت تنظيم «التصوير»؟

تنظيم التصوير في الأماكن العامة يحمي التوثيق وخصوصية المواطنين

بقلم: مهند مجدي كامل

 

في الشهور الأخيرة، تغيرت تفاصيل كثيرة في حياتنا بسبب الهاتف المحمول.. وأصبح المواطن لا يكتفي بأن يرى ما يحدث أمامه، وإنما يرفع هاتفه فورًا ويبدأ في التصوير.

 

 

خلاف فمشاجرة؟ تصويري

الشارع؟ تصوير.

حملة مرورية؟ تصوير.

ضابط يتعامل مع مواطن؟ تصوير.

شخص يتم ضبطه؟ تصوير.

مشكلة داخل محل أو مستشفى أو مصلحة حكومية؟ تصوير.

 

وبعد دقائق قليلة، تكون الواقعة قد انتقلت من الشارع إلى «فيسبوك»، ثم تبدأ التعليقات والأحكام والاتهامات، وأحيانًا التشهير بالأشخاص ونشر صورهم وبياناتهم، قبل أن يعرف أحد أصل الحكاية أو تفاصيلها كاملة.

 

وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف.

 

أنا لست ضد التصوير، ولست ضد أن يوثق المواطن واقعة يعتقد أنها مخالفة أو جريمة، بل على العكس.. أحيانًا يكون تصوير الواقعة وسيلة مهمة لإيصال الحقيقة إلى الجهات المختصة.

 

لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه بصراحة:

 

متى يتحول حق المواطن في التوثيق إلى فوضى؟ ومتى يتحول الهاتف من وسيلة لكشف الحقيقة إلى أداة للتشهير؟

 

المشكلة اليوم أن بعض الناس أصبحوا يتعاملون مع مواقع التواصل الاجتماعي وكأنها قسم شرطة ومحكمة في الوقت نفسه.

 

شخص يصور مشهدًا مدته 30 ثانية، ينشره على فيسبوك، يكتب عنوانًا مثيرًا، وبعدها تبدأ آلاف التعليقات.. هذا مجرم، وهذا مخطئ، وهذا يستحق العقاب، وهذا يجب فضحه.

 

لكن من قال إن الثلاثين ثانية التي شاهدناها هي كل الحقيقة؟

ماذا لو كان هناك جزء من الواقعة لم يتم تصويره؟

ماذا لو كانت هناك ملابسات سابقة لا يعرفها الجمهور؟

ماذا لو كان الشخص الذي ظهر في الفيديو بريئًا من الصورة التي رسمها عنه المنشور؟

وماذا لو انتشر الفيديو ووصل إلى آلاف الأشخاص، ثم ظهرت الحقيقة بعد ذلك؟

 

من سيعيد للإنسان سمعته التي ضاعت في دقائق؟

 

وهنا لا بد أن نفرق بين أمرين:

 

التوثيق شيء.. والنشر والتشهير شيء آخر.

 

أن ترى واقعة وتوثقها ثم ترسلها إلى جهة مختصة، فهذا يمكن أن يساعد في كشف الحقيقة.

 

أما أن تصور وتنشر وتضع أسماء وصور الأشخاص وتترك الجمهور يصدر الأحكام، فهنا نحن أمام مشكلة تحتاج إلى تنظيم ووعي وتشريع واضح.

 

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الجهود التي تقوم بها وزارة الداخلية في التعامل مع البلاغات والوقائع التي تنتشر على مواقع التواصل، وملاحقة من تثبت مخالفته للقانون.

 

لكن أليس من الأفضل أن ننتقل من مرحلة «صور وانشر» إلى مرحلة «وثّق وأرسل للجهة المختصة»؟

 

لماذا لا يكون هناك تطبيق رسمي أو منصة إلكترونية أو رقم موحد تابع للجهة المختصة، يستطيع المواطن من خلاله إرسال صورة أو فيديو لواقعة يعتقد أنها مخالفة، مع تحديد المكان والوقت ووصف مختصر للواقعة؟

 

تصل المعلومة إلى الجهة المختصة، يتم فحصها، ويتم التعامل معها وفقًا للقانون.

 

وبذلك نحقق معادلة مهمة جدًا:

 

لا نمنع المواطن من التوثيق.. ولا نترك مصير الأشخاص رهينة للنشر العشوائي.

 

بل نستخدم التكنولوجيا نفسها التي صنعت المشكلة في إيجاد الحل.

 

نحن أمام واقع جديد.

 

الموبايل أصبح كاميرا في يد كل شخص، ومواقع التواصل أصبحت أسرع وسيلة لانتشار أي واقعة، ولذلك فإن تجاهل هذه الظاهرة لن يحل المشكلة.

 

نحتاج إلى تنظيم ووعي وقنوات رسمية واضحة للإبلاغ.

 

والأمر لا يتعلق فقط برجال الشرطة أو المخالفات المرورية.

 

فقد تجد شخصًا يصور مواطنًا في لحظة انهيار أو مشكلة أسرية، ثم ينشر الفيديو.

 

وقد يتم تصوير شخص مصاب في حادث بدلًا من مساعدته.

 

وقد يتم تصوير طفل أو سيدة أو شخص لا يريد أن تظهر صورته أمام ملايين الأشخاص.

 

وفي النهاية يتحول الألم الإنساني إلى «مشاهدات» و«شير» و«تريند».

 

هل وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها المهم أن نصور قبل أن نفكر؟

 

هل أصبح انتشار الفيديو أهم من معرفة الحقيقة؟

 

هل أصبح «الترند» أقوى من التحقيق؟

 

وهل أصبح عدد المشاركات والتعليقات هو الذي يحدد من المخطئ ومن المصيب؟

 

الإجابة يجب أن تكون: لا.

 

السوشيال ميديا ليست محكمة.

 

والكاميرا ليست جهة تحقيق.

 

وعدد المشاهدات ليس دليل إدانة.

 

ومن حق المواطن أن يبلغ عن المخالفة، ومن حق الجهات المختصة أن تحقق، ومن حق القضاء أن يقول كلمته.

 

أما الحكم السريع من خلال فيديو مبتور أو صورة واحدة، فهو أمر قد يظلم إنسانًا ويصنع قضية من لا شيء.

 

لذلك أعتقد أننا بحاجة إلى نقاش مجتمعي وقانوني جاد حول تنظيم تصوير ونشر الوقائع في الأماكن العامة، ووضع ضوابط واضحة تحمي حق المواطن في الإبلاغ والتوثيق، وفي الوقت نفسه تحمي خصوصية وكرامة الأشخاص من التشهير.

 

الحل ليس أن نقول للناس: لا تصوروا.

والحل أيضًا ليس أن نقول: صوروا وانشروا كل شيء.

 

الحل أن نقول:

 

«صوّر لو احتجت.. وثّق لو شاهدت مخالفة.. لكن أرسل للجهة المختصة، ولا تحول نفسك إلى محقق وقاضٍ وناشر في الوقت نفسه.»

 

فإذا كان المواطن شريكًا في حماية المجتمع، فيجب أن نوفر له الطريق الصحيح للمشاركة.

 

تطبيق رسمي.. رقم موحد.. منصة إلكترونية.. أي وسيلة آمنة وسريعة لاستقبال البلاغات المصورة.

 

ومن هنا يمكن أن تتحول كاميرا الهاتف من أداة لصناعة «ترند» إلى أداة حقيقية للمساعدة في كشف المخالفات والجرائم.

 

وفي النهاية، القضية ليست قضية «من يصور ومن لا يصور».

 

القضية أكبر من ذلك.

 

القضية هي: هل نريد مجتمعًا يوثق من أجل الحقيقة، أم مجتمعًا يصور من أجل المشاهدة؟

 

السؤال مفتوح.. والإجابة تحتاج إلى نقاش حقيقي.

 

فهل حان الوقت لتنظيم هذه الفوضى قبل أن يصبح كل شارع محكمة، وكل هاتف قاضيًا، وكل فيديو حكمًا؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى