ثقافة وفن

المقهى الثقافي إلى الـBook Club.. هل يعود التجمع الثقافي إلى الحياة؟

من مقاهي المثقفين في القاهرة إلى نوادي القراءة الحديثة.. كيف تغيرت أماكن التجمع الثقافي؟

زينب حسن طلبه

 

كان يكفي أن تجلس إلى طاولة في أحد مقاهي وسط القاهرة، لتجد أمامك أكثر من فنجان قهوة وطبق صغير من الحلوى. هنا شاعر يقرأ قصيدته، وهناك كاتب يناقش روايته الجديدة، وعلى طاولة أخرى يدور نقاش طويل حول فكرة سياسية أو عمل أدبي، لم تكن المقاهي مجرد أماكن للجلوس، بل تحولت بعض طاولاتها إلى مساحات مفتوحة للثقافة والحوار، تحفظ حكايات أجيال كاملة من الأدباء والمبدعين.

مع مرور السنوات تغيرت عادات الناس وأماكن تجمعهم؛ فاختفت بعض المقاهي، وفقدت أخرى دورها القديم، وحلّت مكانها مساحات جديدة تحمل الفكرة نفسها بشكل مختلف، من المقهى الثقافي القديم إلى نادي الكتاب وورش الكتابة اليوم، كيف بدأت الحكاية؟ ولماذا تراجعت هذه التجمعات؟ وهل تعود من جديد بصورة مختلفة؟

عندما كان المقهى أكثر من فنجان قهوة

 

عرفت مصر المقاهي منذ قرون، لكن بعض هذه الأماكن لم تكتفِ باستقبال الزبائن، وتحولت تدريجيًا إلى ملتقى لأصحاب الفكر والأدب والفن والسياسة.

 

في القاهرة، ارتبط اسم مقهى «متاتيا» بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الله النديم وسعد زغلول، وتحولت جلساته إلى مساحة للنقاش وتبادل الأفكار، ومع الوقت ظهرت مقاهٍ أخرى ارتبطت بالحياة الأدبية والثقافية، وأصبح لكل منها روادها وحكاياتها.

 

لم يكن هناك موعد رسمي للندوة، ولا دعوة تصل عبر الهاتف، ولا تسجيل مسبق للحضور، كان المقهى نفسه هو المكان، والطاولة هي نقطة البداية.

 

من «ريش» إلى «زهرة البستان».. مقاهٍ تحفظ ذاكرة المثقفين

 

في عام 1908 ظهر مقهى «ريش» في وسط القاهرة، ليصبح واحدًا من أشهر الأماكن المرتبطة بالحياة الثقافية المصرية. جلس على مقاعده أدباء وفنانون وسياسيون، من بينهم نجيب محفوظ ويوسف إدريس وأمل دنقل وصلاح جاهين وغيرهم.

ولم يكن «ريش» وحده؛ فمقهى «زهرة البستان» أصبح بدوره ملتقى لأجيال من الكتاب والمثقفين، حيث كانت تدور المناقشات حول الشعر والرواية، ويلتقي الصحفيون بالكتاب والمبدعين في مكان واحد.

وفي حوار سابق، استعاد الروائي مكاوي سعيد بدايات حياته الثقافية، وتحدث عن مقاهٍ مثل «أسترا» و«علي بابا» التي كان يحضر فيها الندوات ويلتقي بعدد من المثقفين والأدباء، أما «ريش»، فكان يرى أن الكُتّاب الشباب لم تكن لهم فيه المساحة نفسها التي كانت متاحة للأجيال الأكبر.

 

ولهذا كان «زهرة البستان»، الموجود خلف «ريش»، أقرب إلى تجربته، هناك كان الكتاب الشباب يلتقون ويتعارفون ويقرأون قصصهم، ويجدون مساحة للتواصل مع جيلهم.

 

وهنا اكتسب المقهى قيمة تتجاوز المكان نفسه؛ فبالنسبة لبعض المبدعين كان الجلوس هناك جزءًا من حياتهم اليومية، وربما جزءًا من تكوين علاقاتهم وتجاربهم.

 

لم تختفِ الحكاية دفعة واحدة.. لكن هذه الصورة لم تستمر بالشكل نفسه.

 

لم يكن هناك يوم محدد يمكن القول فيه إن المقاهي الثقافية انتهت، وإنما بدأ دور بعضها يتراجع تدريجيًا، بينما اختفت أماكن أخرى تمامًا.

مقهى «علي بابا»، الذي ارتبط اسمه بالأديب نجيب محفوظ، اختفى بعد هدم المكان، بينما أغلق مقهى «البورصة» الذي كان أحد أماكن تجمع المثقفين والثوار، وفي الوقت نفسه، فقدت بعض المقاهي جزءًا من حضورها الثقافي القديم، بينما استمرت أماكن أخرى في استقبال أجيال جديدة.

 

وهكذا لم تكن نهاية المقهى الثقافي إعلانًا رسميًا بالاختفاء، بقدر ما كانت تغيرًا في شكل الحياة الثقافية نفسها.

 

من الطاولة إلى الشاشة.. ثم العودة إلى اللقاء

 

مع ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الطاولة هي المكان الوحيد الذي يمكن أن يلتقي فيه أصحاب الاهتمام الواحد.

أصبح من الممكن أن تناقش كتابًا مع شخص يعيش في مدينة أخرى، أو تنضم إلى مجموعة قراءة وأنت في منزلك، أو تتعرف على كتاب جدد من خلال شاشة الهاتف.

 

لكن المفارقة أن هذا العالم الرقمي نفسه لم يُنهِ الحاجة إلى اللقاء المباشر، بل بدأت تظهر تجمعات تعيد الناس إلى الطاولة من جديد، ولكن هذه المرة حول كتاب محدد.

 

وهنا ظهر الـ “Book Club” أو “نادي الكتاب”

 

الفكرة بسيطة: مجموعة من الأشخاص يختارون كتابًا، يقرأونه، ثم يلتقون لمناقشته، لكن ما يبدو مجرد جلسة للحديث عن كتاب يمكن أن يتحول إلى مساحة للتعارف وتبادل الأفكار واكتشاف قراء آخرين لديهم الاهتمامات نفسها.

وفي القاهرة ظهرت خلال السنوات الأخيرة نماذج مختلفة من نوادي القراءة، بعضها تنظمه مكتبات، وبعضها تستضيفه أماكن ثقافية أو مقاهٍ، بينما بدأ آخرون نواديهم بأنفسهم وجمعوا حولهم قراء يبحثون عن تجربة مختلفة عن القراءة الفردية.

 

وفي بعض هذه التجارب، لا يجتمع الأشخاص لمناقشة الكتاب نفسه أصلًا، في تجربة «القراءة بعد العمل»، على سبيل المثال، يأتي كل شخص بكتابه الخاص، ثم يجلس المشاركون نحو عشرين دقيقة في هدوء للقراءة، قبل أن تبدأ الأحاديث وتتكرر التجربة خلال اللقاء، وقد تمتد الجلسة لساعتين أو ثلاث، ويتحول الحديث أحيانًا من الكتب إلى العمل والعلاقات والخوف والطموح.

 

وهنا تبدو المفارقة واضحة: بعدما أخذت التكنولوجيا الناس بعيدًا عن الطاولة، أصبحت الطاولة نفسها جزءًا من البحث عن التواصل من جديد.

 

الكتاب لم يعد وحده

 

داخل بعض هذه التجمعات لا ينتهي الأمر بمجرد الانتهاء من مناقشة الكتاب، قد يمتد اللقاء إلى ترشيح كتب أخرى، أو لقاء كاتب، أو توقيع كتاب، أو مناقشة قضية مرتبطة بالعمل المقروء، وفي أماكن أخرى تظهر ورش للكتابة والفنون، فينتقل الشاب من دور القارئ إلى محاولة إنتاج نصه الخاص.

وهنا تتسع الفكرة من «نادي للقراءة» إلى مساحة ثقافية صغيرة تجمع القراءة والنقاش والكتابة والتعارف.

 

كما أن فكرة نادي الكتاب نفسها ليست جديدة تمامًا، فهناك تجارب بدأت منذ أوائل الألفينات، حين كانت مجموعات صغيرة من الأصدقاء تجتمع بانتظام لمناقشة الكتب، ومع مرور السنوات تغيرت اختيارات هذه المجموعات مع تغير اهتمامات أعضائها وظروف حياتهم، ودخلت القراءة الإلكترونية بقوة أكبر، خصوصًا بعد جائحة كورونا.

 

لماذا يبحث الشباب عن هذه المساحات؟

 

الشخص الذي يذهب إلى نادي كتاب قد يكون يبحث عن كتاب جديد، أو عن أشخاص يشاركونه اهتمامه، أو عن مكان يستطيع فيه الحديث عن شيء يحبه بعيدًا عن سرعة مواقع التواصل.

 

وقد يكون السبب أبسط من ذلك: أن يجد مكانًا يشعر فيه أنه بين أشخاص يشبهونه في اهتمام واحد، وتظهر هذه الفكرة بوضوح في تجربة «القراءة بعد العمل»، فبعض المشاركين يأتون بمفردهم، دون أن يعرفوا أحدًا، لكن وجود الكتب حولهم يجعل البداية أقل صعوبة، إحدى المشاركات حضرت للمرة الأولى وحدها، ووجدت في الكتب نوعًا من الرفقة الآمنة، قبل أن تقرر العودة مرة أخرى.

 

وفي هذه اللقاءات لا يُطلب من الجميع التحدث طوال الوقت، يمكن للشخص أن يقرأ أو يستمع فقط، وهو ما يجعل التجربة أقرب إلى مساحة هادئة للقراءة والتواصل في الوقت نفسه.

 

من تجمع المثقفين إلى مجتمع من القراء

 

ورغم اختلاف الزمن والمكان، هناك خيط مشترك بين المقهى الثقافي القديم ونادي الكتاب الحديث، في الحالتين، لا تأتي أهمية المكان من الكراسي والطاولات وحدها، وإنما من الأشخاص الذين يجتمعون حول فكرة مشتركة.

 

المقهى القديم كان يستطيع أن يجمع شاعرًا وكاتبًا وصحفيًا وفنانًا حول طاولة واحدة، بينما يجمع نادي الكتاب اليوم أشخاصًا ربما لا يعرف بعضهم بعضًا، لكنهم قرأوا الكتاب نفسه وجاءوا ليتحدثوا عنه.

 

الشكل تغير، لكن فكرة اللقاء نفسها بقيت..فهل عاد المقهى الثقافي؟

 

ربما ليس بالشكل الذي عرفته القاهرة قبل عقود، فالمقهى القديم كان جزءًا من حياة أدبية كاملة، بينما تعمل نوادي القراءة وورش الكتابة اليوم في مساحات أكثر تنظيمًا وتخصصًا.

 

لكن ظهور هذه التجمعات من جديد يطرح سؤالًا آخر: هل يبحث الشباب عن شكل جديد من «المقهى الثقافي»؟ أم أن الأمر مجرد طريقة مختلفة لقضاء الوقت؟

 

الإجابة لا توجد في اسم المكان، وإنما في ما يحدث حول الطاولة؛ في كتاب يُفتح، وفكرة تُناقش، وشخص يكتشف أنه وجد أخيرًا آخرين يريدون الحديث عن الشيء نفسه.

 

وربما لهذا السبب، بعد كل هذا التغير، ما زالت هناك حاجة إلى مكان واحد بسيط يجمع الناس حول فكرة:

 

“أن نتوقف قليلًا عن التمرير على الشاشة.. ونجلس لنتحدث.”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى