
بقلم /همت داود
من الصعب جداً أن يصحو المرء على حقيقة مُرّة تخص شخصاً كان يظنه سنداً، فخيبة الأمل في الأصدقاء تترك ندبة لا تبرأ بسهولة، خاصة حين يتعلق الأمر بـ “العيش والملح” الذي هو ميثاق غليظ في وجداننا.
حين تسقط الأقنعة: عن “قلة الأصل” وخراب الذمم
ليس كل من جالسنا صار جليساً، ولا كل من أكل معنا “عيشاً وملحاً” صار وفياً. فالحياة، برغم قسوتها، تمتلك قدرة عجيبة على تنقية المحيطين بنا، تماماً كما ينقي الغربال الحبوب؛ فلا يبقى في النهاية إلا الطيب والأصيل.
الأصل ليس مجرد نسب أو مال، بل هو “معدن” يظهر بريقه في الشدائد، وتنكشف رداءته عند أول اختبار للمصالح. إن أصعب ما يواجهه الإنسان هو تلك اللحظة التي يكتشف فيها أن “الصديق” الذي شاركه تفاصيل يومه، وفتح له باب بيته وقلبه، لم يكن إلا عابر سبيل يرتدي قناع الودّ، حتى إذا ما قضى حاجته، داس على العيش والملح وكأن شيئاً لم يكن.
الوفاء لا يُشترى، والغدر لا يُبرر.
إن من يبيع الودّ لأجل منفعة زائلة، أو ينكر الفضل عند أول خلاف، لا يُعاب عليه قدر ما يُرثى لحاله؛ فقد خسر ميزة “الإنسان” قبل أن يخسر صديقه.
العيش والملح ليس مجرد طعام يُؤكل، بل هو “عهد” تلتزم به النفوس الكبيرة، أما النفوس الضيقة فلا ترى فيه إلا مجرد وجبة انتهى مفعولها بانتهاء الشبع.
في النهاية، نحن لا نحزن على من رحل أو غدر، بل نحمد الله أن كشف لنا الستار قبل فوات الأوان، فمن يهون عليه خبزك وملحك، سيهون عليه جرحك يوماً ما، والدرس الحقيقي ليس في كراهية الآخرين، بل في تعلم “الانتقائية”؛ فالموائد قد تجمع الكثيرين، لكن قلوب الأنقياء لا تتسع إلا للأصيل.
