“هو الشغل أهم مني يا ماما؟”.. صرخة توثق ضياع أطفالٍ في دروب الأمهات العاملات
خلف أبواب الوظائف.. أمهات يمزقهن "تأنيب الضمير" وأطفال ينتظرون

تحقيق – أمنية السيد
في السادسة صباحًا، يبدأ سباق لا ينتهي، توقظ أبناءها، تعد وجبة الإفطار، تراجع الحقائب المدرسية على عجل، ثم تغادر منزلها مسرعة إلى عملها، بينما يسبقها سؤال يلاحقها كل يوم: “هل سأعود اليوم مبكرًا لأجلس مع أطفالي؟”.
هكذا تعيش آلاف الأمهات العاملات، بين ضغوط الوظيفة ومسؤوليات المنزل، في محاولة دائمة لتحقيق معادلة تبدو مستحيلة؛ توفير حياة كريمة لأبنائهن، دون أن يخسرن دفء الأمومة، وبين الإرهاق المستمر والشعور بالتقصير، يبقى الأطفال هم الوجه الآخر لهذه المعادلة، ينتظرون ساعات قليلة من الاهتمام قد لا تسمح بها ظروف العمل.
يوم يبدأ قبل الجميع وينتهي بعد الجميع
تقول سارة أحمد، موظفة بمدرسة حكومي بمركز ديرب نجم، وأم لطفلين، إن يومها يبدأ قبل شروق الشمس ولا ينتهي إلا بعد منتصف الليل، توضح أنها تقضي أكثر من ثماني ساعات في العمل، ثم تعود لتبدأ مسؤوليات المنزل من جديد، فتعد الطعام، وتتابع مذاكرة الأطفال، وتنجز الأعمال المنزلية، قبل أن تستعد ليوم جديد يشبه سابقه، وتؤكد أنها تشعر في كثير من الأحيان بأنها مقصرة في حق أطفالها، خاصة عندما يطلبون منها الجلوس معهم أو الخروج للتنزه، لكنها تضطر للاعتذار بسبب الإرهاق أو كثرة المسؤوليات، مضيفة أن أكثر ما يؤلمها هو سؤال ابنها الدائم: “هو الشغل أهم مني يا ماما؟”.

غياب لا يعوضه المال
أما مي . م ، وتعمل ممرضة بمستشفى خاص بمركز الزقازيق ، وهي وأم لثلاثة أبناء، فتؤكد أن العمل أصبح ضرورة اقتصادية لا يمكن الاستغناء عنها، إلا أن هذا الأمر جاء على حساب الوقت الذي تقضيه مع أطفالها، وتشير إلى أنها تحاول تعويضهم في عطلات نهاية الأسبوع، إلا أنها تدرك أن الطفل يحتاج إلى وجود أمه يوميًا، وليس فقط في الإجازات، وتضيف أن أصعب ما تواجهه هو الشعور بالذنب، خاصة عندما يمرض أحد أطفالها وهي مضطرة للبقاء في العمل، مؤكدة أن الأم العاملة تعيش دائمًا صراعًا بين واجبها المهني ومسؤوليتها الأسرية.
أطفال يشتاقون للحضور أكثر من الهدايا
يقول يوسف، البالغ من العمر عشر سنوات، إن والدته تعمل في شركة بالعاشر من رمضان، لذلك يقضي أغلب وقته مع جدته حتى تعود من العمل مساءً، ويؤكد أنه يفرح كثيرًا عندما تتمكن والدته من تناول الغداء معه أو مساعدته في المذاكرة، متمنيًا أن تمتلك وقتًا أطول ليجلس معها ويتحدث إليها.
أما ملك، ذات الثمانية أعوام، فتقول : والدتي تعمل في شركة لتغليف وتعبئة الفواكه ولا تشاركني تفاصيل يومي، وتؤكد آنها تحتفظ بالرسومات التي ترسمها حتى تعود والدتها من العمل، لأنها تحب أن تكون أول من يراها، مضيفة أنها لا تريد هدايا كثيرة، وإنما تتمنى أن تلعب معها والدتها كل يوم.
الزوج شريك في المسؤولية.. والدعم أساس نجاح الأسرة
يقول محمود أ، موظف بالكهرباء وزوج لإحدى الأمهات العاملات، إن عمل زوجته غير شكل الحياة اليومية داخل الأسرة، وجعلهم يعتمدون بشكل أكبر على التعاون وتقسيم المسؤوليات بينهم، فلم يعد من المنطقي أن تتحمل وحدها أعباء المنزل والعمل في الوقت نفسه، لذلك يحرص على مشاركتها في تربية الأبناء وإنجاز الأعمال المنزلية، لأنه يؤمن بأن الأسرة تقوم على الشراكة، وأن نجاح الحياة الزوجية يعتمد على تعاون الطرفين وليس على تحمل أحدهما جميع المسؤوليات، ويضيف : من أكثر الضغوط التي ألاحظ أنها تواجهها محاولتها المستمرة للتوفيق بين متطلبات العمل وواجباتها الأسرية، فهي تسعى دائمًا إلى النجاح في عملها دون أن تقصر في حق أبنائها أو منزلها، وهو ما يسبب لها إرهاقًا نفسيًا وجسديًا.
كما أن ساعات العمل الطويلة قد تقلل من الوقت الذي تقضيه الأسرة معًا، وقد تؤثر في التواصل بين الزوجين والأبناء إذا لم يتم تعويض ذلك بتنظيم الوقت، لذلك أعتقد أن الأم العاملة تحتاج قبل كل شيء إلى الدعم والتقدير من زوجها وأسرتها، والمشاركة في تحمل المسؤوليات، لأن هذا الدعم يمنحها القدرة على تحقيق التوازن بين عملها وحياتها الأسرية ويجعل الأجواء داخل المنزل أكثر استقرارًا.
العمل بعد الفقد.. أم تتحمل المسؤولية وحدها
تقول منى السيد، 39 عامًا، موظفة بإحدى الشركات الخاصة وأم لطفلين، إن وفاة زوجها قبل أربع سنوات غيرت حياتها بالكامل، لتصبح المسؤولة الوحيدة عن توفير احتياجات أبنائها، وتوضح أنها لم تكن تتخيل يومًا أن تتحمل وحدها مسؤولية تربية الطفلين والإنفاق على المنزل، إلا أن الظروف أجبرتها على ذلك.
مؤكدة أنها تعمل لساعات طويلة حتى تؤمّن لهما حياة كريمة، رغم شعورها الدائم بالحزن لأنها لا تستطيع قضاء الوقت الكافي معهما، مضيفة: “كل يوم بخاف يكون شغلي حرمني من لحظة كانوا محتاجيني فيها، لكن معنديش اختيار غير إني أشتغل علشان أوفر لهم حياة مستقرة”.
بعد الطلاق.. أم تكافح من أجل أبنائها
وتقول آية محمود، 34 عامًا، موظفة بإحدى الصيدليات وأم لثلاثة أبناء، إنها اضطرت إلى العمل عقب انفصالها عن زوجها، بعدما أصبحت مسؤولة عن تلبية احتياجات أطفالها اليومية، وتؤكد أن الجمع بين العمل ورعاية الأبناء يمثل تحديًا كبيرًا، خاصة مع غياب من يشاركها المسؤولية، مشيرة إلى أنها تبذل كل ما في وسعها حتى لا يشعر أطفالها بأي نقص، لكنها تعترف بأن أكثر ما يؤلمها هو عودتها إلى المنزل مرهقة، في الوقت الذي ينتظر فيه أبناؤها الحديث واللعب معها.
الابنة الكبرى.. حين يصبح العمل واجبًا تجاه الأسرة
أما هاجر علي، 27 عامًا، فتقول إنها تعمل منذ تخرجها لأن والدها مريض ولا يستطيع العمل، فأصبحت تشارك في إعالة والدتها وإخوتها الأصغر سنًا، وتوضح أن راتبها يذهب في سداد احتياجات المنزل ومصاريف الدراسة والعلاج، لذلك لا تفكر حاليًا في الزواج بقدر ما تفكر في استمرار دعم أسرتها، وتضيف أن ضغوط العمل والمسؤوليات المتزايدة تجعلها تشعر بالإرهاق، لكنها تعتبر ما تقوم به واجبًا تجاه أسرتها، وتتمنى أن تتحسن ظروفهم حتى تتمكن من تحقيق بعض أحلامها الشخصية.
استشاري نفسي: ضغوط الأم العاملة تنعكس على الأسرة والأبناء.. والتوازن هو الحل
أكد الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي، أن المرأة العاملة تواجه ضغوطًا متراكمة تجعلها أكثر عرضة للتوتر والانفعال، إذ تتحمل أعباء العمل بالتزامن مع التغيرات الهرمونية الطبيعية التي تمر بها في مراحل مختلفة من حياتها، مثل اضطرابات الدورة الشهرية، والحمل، وفترة ما بعد الولادة، وانقطاع الطمث، وأوضح أن هذه التغيرات، إلى جانب الضغوط المهنية، قد تؤثر في حالتها النفسية وطريقة تعاملها مع الآخرين.
وأضاف أن المسؤوليات الأسرية تمثل عبئًا إضافيًا على المرأة، حيث تتحمل مسؤولية رعاية الأبناء، ومتابعة دراستهم، وتلبية احتياجات الأسرة والزوج، فضلًا عن إدارة شؤون المنزل، وهو ما يضعها تحت ضغط مستمر يتطلب منها التوفيق بين متطلبات العمل والأسرة في آن واحد، الأمر الذي قد ينعكس على حالتها المزاجية وسلوكها اليومي.
وأشار “فرويز” أن شعور الأم بالذنب أو تأنيب الضمير نتيجة اعتقادها بالتقصير تجاه أبنائها أو زوجها أو مسؤوليات المنزل، قد يدفعها إلى المرور بحالة من التوتر والقلق أو أعراض اكتئابية مؤقتة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة الإصابة بمرض نفسي.

وأوضح أن الإصابة بالأمراض النفسية ترتبط في الأساس بوجود استعداد وراثي، مشيرًا إلى أن الإنسان لا يرث المرض ذاته، وإنما يرث جينات قد تظل خاملة، ولا تنشط إلا عند التعرض لضغوط نفسية شديدة، أما في غياب هذا الاستعداد الوراثي، فإن الضغوط غالبًا ما تقتصر على التوتر والعصبية والقلق، وهي حالات يمكن تجاوزها بمرور الوقت.
وأضاف استشاري الطب النفسي أن الضغوط النفسية التي تتعرض لها الأم تنعكس بصورة مباشرة على الأبناء، إذ تؤثر في طبيعة العلاقة بينهم وبين والدتهم، وقد تؤدي إلى زيادة التوتر داخل الأسرة، خاصة عندما تصبح الأم أكثر عصبية أو تتبع أسلوبًا صارمًا في التعامل وفرض القواعد، وهو ما قد يدفع الأبناء إلى التمرد أو الابتعاد عاطفيًا عنها.
وأكد إلى أن استمرار هذا المناخ الأسري المضطرب قد يترك آثارًا نفسية وسلوكية على الأبناء، حيث قد يعاني بعضهم من ضعف الترابط العاطفي، فيما قد يلجأ آخرون إلى سلوكيات خاطئة، مثل تعاطي المواد المخدرة أو الدخول في علاقات غير سوية، في محاولة لتعويض الاحتياج العاطفي أو الهروب من الضغوط النفسية.
وبين الدكتور جمال فرويز أن هناك مؤشرات تستدعي التدخل الطبي، من أبرزها اضطرابات النوم المستمرة، وضعف التركيز والانتباه، ووقوع أخطاء متكررة في العمل أو الحياة اليومية، مؤكدًا أن ظهور هذه العلامات بشكل متواصل يستوجب مراجعة طبيب نفسي قبل تفاقم الحالة.
وشدد استشاري الطب النفسي على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات العمل والحياة الأسرية، موضحًا أن الانشغال الكامل بالعمل على حساب الأسرة قد يؤدي إلى خسائر اجتماعية ونفسية، كما أن إهمال الحياة المهنية لصالح المنزل يحرم الإنسان من جوانب أخرى مهمة في حياته، وأكد أن التوازن في توزيع الوقت والجهد والعاطفة والاهتمام بين مختلف جوانب الحياة هو السبيل للحفاظ على الصحة النفسية واستقرار الأسرة.
دعم الأسرة وتنظيم الوقت أساس توازن الأم العاملة
أكدت الدكتورة إيمان الريس استشاري الصحة النفسية والتربوية، أن أكبر التحديات التي تواجه الأم العاملة تتمثل في سعيها الدائم لتحقيق التوازن بين عملها وواجباتها المنزلية وتربية الأبناء، وهو ما يفرض عليها ضغوطًا نفسية وجسدية متزايدة، خاصة في ظل ضيق الوقت وتعدد المسؤوليات.
وأوضحت أن زيادة ساعات العمل أو تصاعد الضغوط المهنية قد يقلل من الوقت الذي تقضيه الأم مع أبنائها، الأمر الذي قد يؤثر على مستوى التواصل الأسري والعلاقة بينهم، مشيرة إلى أن ذلك قد ينعكس أحيانًا على الجانب التربوي والتعليمي للأطفال.
وأضافت “الريس” أن جودة الوقت الذي تقضيه الأم مع أبنائها تظل العامل الأهم، حيث إن وجود تواصل قائم على الاهتمام والحب يمكن أن يترك أثرًا إيجابيًا كبيرًا على الأطفال، حتى وإن كان الوقت محدودًا، وشددت على أن دعم الزوج والأسرة يمثل عنصرًا أساسيًا في تخفيف الضغوط الواقعة على الأم، إذ يسهم شعورها بالمساندة في تحسين حالتها النفسية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على استقرار الأسرة والأبناء، خاصة عندما تشعر الأم بأنها لا تتحمل المسؤولية وحدها.

ولفتت استشاري الصحة النفسية والتربوية إلى أن بعض الأطفال قد يتأثرون بغياب الأم لفترات طويلة، حيث قد يظهر ذلك في صورة نقص في الاهتمام أو زيادة التعلق بالأجهزة الإلكترونية أو ظهور بعض المشكلات السلوكية، مؤكدة أهمية التواصل اليومي مع الطفل حتى وإن كان لفترة قصيرة.
واختتمت الدكتورة إيمان الريس حديثها بالتأكيد على أن الحلول تبدأ من اختيار بيئة عمل مرنة قدر الإمكان، وتنظيم الوقت، وتقسيم المسؤوليات بين الأب والأم، إلى جانب تخصيص وقت ثابت للأبناء، بما يساعد الأم العاملة على تحقيق توازن صحي بين حياتها المهنية والأسرية.
في النهاية، تبقى الأم العاملة أمام معادلة يومية صعبة بين متطلبات العمل واحتياجات الأسرة، تحاول فيها أن توازن بين النجاح المهني ودفء الأمومة، وسط ضغوط لا تنتهي وشعور دائم بالتقصير، ورغم اختلاف التجارب، يظل الدعم الأسري وتنظيم الوقت ومرونة بيئة العمل عوامل أساسية قد تخفف من هذا العبء، لكن السؤال يظل قائمًا: هل يمكن تحقيق توازن حقيقي يرضي جميع الأطراف، أم أن الأم ستظل دائمًا في سباق مع الوقت؟




